آخر تحديث: 12 / 11 / 2019م - 12:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

هيمنة العلاقات النفعية

رجاء البوعلي * صحيفة الرأي السعودي

أعتبر تعليقات القراء على مقالتي السابقة «نسبية التعايش والحب في العلاقات» من أكثر التعليقات إحباطًا، فقد رأى كثير من القراء أن العلاقات تنزح للنفعية على حساب المعنويات، وتساءل البعض مستنكرًا: هل بقي حبٌ؟ فهل إحباط الناس انعكاسٌ للواقع أم ماذا؟.

مازال الصراع قائمًا بين أتباع المثالية ونظرائهم الواقعيين، وفي هذه المرحلة التي نمر بها، لن نحتاج العودة للكتب لفهم هاتين الرؤيتين من زاوية فلسفية، فالواقع ممتلئ بالتطبيقات الشارحة على أصعدة متعددة.

يرى البعض أن الصداقة التي قسمها أرسطو إلى ثلاثة أقسام: صداقة منفعة، صداقة لذة، وأخرى فضيلة، تسير في طريق الانحسار لتصبح صداقة منفعة فقط! ويبرهن الكثير من الناس على انكماش معنى الصداقة بحالات توقفت في العلاقة إثر تغيير ظرف اجتماعي أو مهني أو اقتصادي يدفع لتوسيع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية للأصدقاء.

أما العلاقات الاجتماعية والأسرية، فيعتقد كثير من الناس أن رابطة الزواج ليست إلا حلقة عُلقت بالخطأ في رقبتي الزوج والزوجة، وبعد وقوع الخطيئة وإنجاب الأبناء، لم يعد هناك مجال لحل هذه الحلقة، فلو أن الخطيئة لم تورث لفُكت الأغلال بأقل التكاليف! ولكن على الضفة الأخرى، هناك تنامٍ في حالات التحرر من قيد التوريث، فبرغم وجوده، تُحل الأغلال.

أما في الحب، سأل أحد الكُتاب ذات يوم: لو أن قيس بن الملوح يعيش في عصرنا المنفتح على مصاريعه، هل سيبقى قلبه متعلقًا ب «ليلى» حتى الموت كما حدث أم أن امرأة تعوضها أخرى؟ وهذا ما تعكسه الدراما التاريخية والمعاصرة، أن الحب ليس سوى فتنة يغيب حضورها بغياب الجسد، فهناك دائمًا طابور من النساء وآخر من الرجال بالانتظار، وربما هذا ما عناه تعليق: هل بقي حبٌ؟.

الأمر ليس مقتصرًا هذه الأمثلة، فالعلاقات بمجملها خاضعة لهذا المجهر، إنها نافذة داكنة تفتح علينا مشاهدها الشاحبة، تضرر من ريحها كثير من الناس الذين مازالوا يمسكون بأذيال الأمل الجميل ولكن لا مفر من واقع تتصاعد فيه المادية، فتصير الدماغ المُحرك لعلاقات الإنسان، يرحل ما يرحل ويبقى ما يبقى، وكما نقول: الكثرة تغلب الشجاعة، فكثرة النفعيين تغلب جوهر الأقلية، لأن الوسيلة والقوة والغلبة لها، فتنتصر النفعية، مواساةً لبعض قُرائي كتبت هذه المقالة.