آخر تحديث: 24 / 1 / 2020م - 8:46 م  بتوقيت مكة المكرمة

”الفرعنة“.. المجتمع

محمد أحمد التاروتي *

يلعب المجتمع دورا مؤثرا في توجيه السلوك الشخصي، فهناك بعض المجتمعات تعمل على تضخيم ”الانا“ في النفوس، من خلال التعامل غير الاعتيادي مع أصحاب النفوذ والشخصيات ذات الوضع الاعتباري بالاجتماعي، الامر الذي ينعكس على السلوك على الصعيد الخارجي، وبالتالي فان الثقافة الاجتماعية تشكل عنصر حاسما، في وضع السلوك في المسارات الصحيحة، او الخاطئة.

السلوك المتضخم لدى الأشخاص مرتبط بردود الأفعال، فالمرء يشعر بقيمته الحقيقية بمجرد وجود في مجتمع واعي، بينما يتجاوز الخطوط الحمراء في المجتمعات المتخلفة، وغير الواعية، فالاولى تتعامل مع الأشخاص وفقا للإنجازات والمكانة الاجتماعية بعيدا عن الاعتبارات الأخرى، خصوصا وان الماكنة الإعلامية ترسم ”صورا“ متضخمة لدى بعض الشخصيات، بهدف التسلق على اكتاف الجميع والاستيلاء على جميع المقدرات بدون منازع، فيما المجتمعات المتخلفة تتعامل مع ”الشخصيات“ بطريقة ”السيد“ و”العبد“، مما يفتح الطريق امامها للتحرك بحرية، وعدم الخوف من وجود معارضة شديدة، مما يجعلها قادرة على الصعود سريعا والتعامل بفوقية مع الجميع، فهذه المجتمعات لا تولي ”الإنجازات“ أهمية بقدر اهتمامها بالعناصر الهامشية، وبالتالي فان العملية مرهونة بالآليات المتبعة في التعاطي مع أصحاب السلوك ”المتعالي“، بحيث تكون هذه الاليات الحاكمة سواء كانت صحيحة او خاطئة.

القراءة الخاطئة لردود الأفعال الاجتماعية، تسهم بدورها في احداث انفعالات غير متوازنة لدى بعض الأشخاص، مما يدفعها لمحاولة الخروج عن السياق الطبيعي، من خلال وضع ”محرمات“ او حواجز، في طريقة التعاطي مع مختلف الشرائح الاجتماعية، بحيث تبرز على شكل قرارات صادمة، او غير مألوفة في منظومة العلاقات الاجتماعية، الامر الذي يساعد في احداث حالة من الارباك الداخلي، ويدفع باتجاه تحريك الأحقاد النفسية تجاه البيئة الاجتماعية، خصوصا وان ”التضخم“ الذاتي يحدث تفاعلات لا تقتصر على اطار محدد، بقدر ما تسهم في تفجير العديد من الروابط الاجتماعية السائدة منذ عقود طويلة.

السكوت على السلوك غير المنضبط، وعدم محاولة تصحيح المسارات المعوجة، تساعد في تكريس الواقع الخاطئ في البيئة الاجتماعية، بحيث تبرز على شكل تحركات شاذة، وغير معروفة على الاطلاق، مما يقود لاحداث تصادمات وتشنجات بعضها ضمن النطاق الضيق، والبعض الاخر على نطاق واسع، وبالتالي فان الأوساط الاجتماعية بإمكانها ”قمع“ السلوك غير السوي، عبر مجموعة من الممارسات ذات الأثر الإيجابي، لاسيما وان التغاضي وعدم التحرك الجاد يولد حالة من الخصام النفسي الكبير، اذ يحاول أصحاب النفوذ رسم صورة خيالية تتجاوز الواقع، وتحلق في السراب غير الواقعي على الاطلاق.

عملية ضبط السلوك ”المتعالي“ لدى بعض الشخصيات، تبدأ بطريقة التعاطي بالخارج وأسلوب الحياة على ارض الواقع، فهناك الكثير من الممارسات قادرة على إيصال الرسائل الواضحة، للأطراف السابحة في بحر ”الفرعنة“ وأحلام العظمة، مما يدفع الأمور بالاتجاه الصحيح، ومنع خروجها عن السيطرة، نتيجة وجود إرادة صادقة قادرة على احداث تغيير سلوكي جذري، خصوصا وان عملية ”التعالي“ تبدأ بشكل صغير، ولكنها تتضخم بشكل تدريجي او سريعي، وفقا لدرجة القبول في الصعيد الخارجي، وبالتالي فان المجتمع يمثل الحلقة الأكثر قدرة على كسر ”التعالي“، او يساعد على التكريس عبر ”فروض الطاعة“، التي يظهرها تجاه تلك الشخصيات، في مختلف القرارات ”على السمع والطاعة“.

المجتمع يحدد المسار المناسب لوضع الشخصيات، وفقا للثقافة الحاكمة في السلوك الخارجي، فاذا كانت ذات طبيعة متوازنة وعقلانية، فان مختلف محاولات صناعة ”الفرعنة“ مصيرها الفشل، فيما تكون ”الفرعنة“ السمة البارزة في المجتمعات غير الواعية، نظرا لافتقارها للآليات المناسبة لتوجيه البوصلة بالشكل الصحيح.

كاتب صحفي