آخر تحديث: 12 / 11 / 2019م - 6:29 م  بتوقيت مكة المكرمة

جمال العقول

ياسين آل خليل

الأفكار التي نسمح لها أن تشغل مساحة من عقولنا، على اختلافها وتنوعها، إما أنها تخلق الجمال بكل تجلياته، أو أنها تعمل على تدمير ما تبقى من بصيص أمل في انفراجة كرب. هل سبق لك ملاحظة أن بعض الأفكار أو الملكات، تجعلك تشعر أنك أكثر جمالًا بين الناس، أو أنها تخلق ذلك التمايز بين الأفراد، فتجعل أحدهم يبدو أكثر قربًا لقلبك وجاذبية لك عن غيره؟

كما تتأثر أجسام البشر بنوعية الطعام الذي يتناولونه، عقولهم هي الأخرى تتفاعل، ونوعية الأفكار التي تستقبلها وتختزنها، فتنعكس سلبًا أو إيجابًا، إما بتمكين أمراض العصر القاتلة لتفتك بهم، أو أنها تعمل على شفاء أرواحهم، فتظهر على شكل ردود أفعال رائعة حينا، ومقبولة أحيانا أخرى. جمال العقول عادة ما تتجسد كخُلُق حسن لدى البعض، يساهم في جذب الآخرين ويحببهم في أن يتقربوا ويتزودوا بشيئ من عبق ما تمتلكه تلك الأفراد من طيب أخلاق وحسن معشر، أو أن يزدادوا قربًا، عسى أن يكتسبوا بعضا من مخزونها الفكري المتجدد والطاقات الإيجابية الكامنة التي لا تكاد تنفذ.

كيف إذن، يمكن لأفكارنا أن تؤثر على مستوى صنع الجمال في حياتنا؟ من السهولة بمكان أن نعتني بصحتنا البدنية، من خلال اتباعنا لنظام غذائي صحي، وممارسة بعض الأنشطة الرياضية بانتظام. لكن كيف لنا أن نحافظ على صحتنا العقلية وحمايتها من الملوثات الفكرية العبثية المحدقة بنا، والتي تتحيّن الفرصة المناسبة للانقضاض علينا؟

في زمن يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، بات الكثير من الناس يهملون أفكارهم، ويوجهون جُلّ اهتمامهم وطاقتهم الى كل ما هو مادي بحت. صار الأمل في تحقيق تغيير إيجابي يتضاءل شيئا فشيئا، حتى تحول إلى أمر من الصعوبة بمكان. اليوم وبعد أن وصل الحال إلى مستوى مترد وغير مرض لأحد، انتفض العقل الجمعي لينذر بالخطر قبل وقوعه، لأن التفكير السلبي المسيطر وصل إلى حد كبير لا يمكن السكوت عليه.

ضيق الوقت وأهميته قد لا يعطينا متسع من الزمن لنأخذ فسحة قبل مواصلة العمل. علينا الأخذ بيد أبنائنا إلى التغيير الإيجابي سعيا منا أن نوصلهم الى الإستقرار الذهني المنشود، وذلك من خلال تبني الأفكار الإيجابية المؤدية إلى حياة تملؤها السكينة وتتسم بالجمال والراحة النفسية المستدامة.

من مواصفات العقول الجميلة، أن تكون قادرة ومتمكنة من مهارات التفكير النقدي والعاطفي. إضافة لكونها عقولا قادرة على التعايش السلمي، مع صعوبة ما تكتنفه الحياة من مشاكل وتحديات. حفاظها على الشفافية والوضوح والواقعية، تسعى العقول الجميلة في البحث عن حلول وسطية تجمع القلوب ولا تفرقها، وتبتعد عن الغلو الفكري والذي هو أساس كل خطيئة. العقول الجميلة هي دوما طموحة وثّابة، تعيش الحاضر بكل تفاصيله، وتستشرف المستقبل وتستعد له بشغف وتفاؤل، وارتياح لما ستؤول إليه النتائج في خواتيمها.

لكن كيف لنا أن نتحسس الجمال في شخصية الأفراد، الذين نسعى للتعلق بهم، وبناء علاقات حميمية وطيدة معهم، تضفي على حياتنا السعادة والبهجة وحب الخير كل الخير للجميع.

الجمال هو شيئ قلّ من يفهمه أو يمتلكه أو يحيط به. البعض يرونه في روعة المظهر الخارجي، المتمثل في جمال الوجه أو الجسد وما يزينه من اناقة في مَلبَسْ، أو بريق في مقتنيات لا تتعدى كونها زينة ليس إلا، كالمجوهرات والحلي وغيرها. البعض الآخر يرون الجمال من زاويته الروحية والحسية، كالذكاء والأخلاق وتقوى القلوب وما تحويه العقول من جمال المعرفة والأدب. ”كن ابن من شئت واكتسب أدبًا … يغنيك محموده عن النسب … إن الفتى من يقول ها أنذا … ليس الفتى من يقول كان أبي“ إمام المتقين علي .