آخر تحديث: 31 / 3 / 2020م - 9:40 م  بتوقيت مكة المكرمة

الندم طوق النجاة

ورد عن رسول الله ﷺ: ﴿الندم توبة «تحف العقول ص 56».

طريق الرجوع إلى الله تعالى بعد ارتكاب المعصية والإحساس بقبح ما أقدم عليه العبد هو التوبة الحقيقية، فمتى ما استذكر تلك الصورة ومرت في خياله كمقطع مرئي اشمأز وأحس بالحزن الشديد على التفريط والانسياق خلف شهواته، هذا الشعور بألم وفداحة الفعل هو ما نسميه بالندم الحقيقي على ما فات.

استحضار الإحساس بالندم لتحقق التوبة النصوح شرط مهم وبدونه تتحول تلك الانعطافة والضيق النفسي من مقارفة الذنب، إلى صحوة مؤقتة سرعان ما تزول ويعاود المرء ما كان عليه من خطايا، وذلك أن لذة النزوة وممازجتها لفكره ووجدانه تحتاج إلى عملية إزالية جذرية لا سطحية، ومجرد البكاء والحسرة المتولدة من حضور جنازة عزيز أو استماع موعظة عن الموت لا يعد العلة التامة للتوبة، بل لابد من حالة الاعتراف والإقرار بسوء الحال والمآل جراء اتباع النزوات والغفلة عن صوت الحق والحكمة، فينتقل به شعوره اليقظ إلى تأنيب الضمير ومخاطبة النفس بعد الخلوة بها، مستذكرا الصورة الأخروية لمتبوأ العصاة في نار جهنم وما يواجهونه من ويلات العذاب الأليم، هكذا تستقر في النفس صورة الندم الحقيقي فيتألم إن تذكرها أثناء دعائه ومناجاته، ويعقد العزم على تجنب كل ما يسبب تلوث نفسه ويقربه من المعصية.

وليس الندم تلك الحالة المرضية التي يجتر معها العاصي ألم الذنب فيتحول إلى كابوس يلاحقه، وتصبح عقدة نقص تؤرقه وتفقده الأمل ويحيق به اليأس، بل هي تذكرة وتنبيه ودرس يستفيده من أخطاء فاتت لا ينبغي الوقوع فيها مجددا، فصاحب العقل الواعي يقهر الغفلة باستلهام العبر من الحفر التي وقع فيها، فيستذكر المزالق والعثرات التي تشكل عوامل السقوط والاتجاه نحو هاوية الآثام والمنكرات، فما فات من أخطائه أوساخ غسلها بماء الندم على الوقوع في مواضع سخط الله تعالى، هذه هي قواعد التوبة النصوح التي ترسخ في نفسه الأوبة إلى أحضان المغفرة الإلهية فتعاف لذة النزوات، ويراها ببصيرة يقظة نارا تدعوه للسقوط في أتونها فيستعيذ بالله تعالى ويذكر عظمته.

الندم على اقتراف المعصية إعلان وإقرار بقطع العلائق بأسباب المعصية والسير في طريق الاستجابة السريعة والتهافت على المآثم، فمن تراه يصر على ارتكاب المعصية ويعكف على ولوج مداخلها لا يتحقق منه ذلك لو ندم ندما حقيقيا، فذرف دموع الأسى على وقوعه في فخاخ الأهواء وميول النفس الأمارة بالسوء، حينئذ تقوى إرادته ويهزم كل تزين وتجمل لصورة الشهوات المحرمة، فاعترافه بالذنب يحدث صورة قبيحة له في ذهنه، إذ في ساعة الوقوف بين يدي المولى الجليل تنكسر نفسه وتعلن افتقارها لرحمته وعفوه قبل معاينة الآثار الأخروي للذنوب.

الندم انكسار للقلب وتخل عن حالة الأنفة والعزة بالآثام، فمتى ما تواضع العبد للحق واستشعر عظيم ما جناه في حق المنعم المتفضل، تخلص حينئذ من سكرة النزوات وانفتحت بصيرته على حقائق الحياة والعمر وما بعد الرحيل، فاستحسن الصالحات وذكر الله تعالى واستقبح كل موضع يبعده عن رحمة الله تعالى.

والندم الحقيقي ألم يستشعره العبد التائب كلما وخزه ضميره وأنبه على مقارفة المعصية فيتخلى عنها، ويقلع مستقبلا عن معاودة ارتكاب الندم وإن تجددت دواعيه ومزيناته، وليس هناك من محفز للنفس للندم الإيجابي كاستحضار ما يحمله يوم القيامة من أثقال يحتطبها على ظهره ولا يقوى على السير بها، ويخاف من مشهد يحضر كل الشهود في محكمة العدل الإلهي لينطقوا بكل ذنب أصر عليه ولم يندم عليه.