آخر تحديث: 19 / 1 / 2020م - 1:22 م  بتوقيت مكة المكرمة

رحمة للعالمين

محمد أحمد التاروتي *

في ذكرى المولد النبوي الشريف، يحتار المرء في تناول أي جانب من جوانب شخصية اشرف الخلق وسيد الأنبياء ﷺ، نظرا للقصور الذي يعتري الانسان في تناول شخصية عقمت الدنيا، في ولادة مثيل لها على الاطلاق، فالرسول الاكرم يمثل القمة في جميع الجوانب، «انك على خلق عظيم»، حيث الكمال في كل شيء.

ولادة الرسول الاكرم ﷺ مناسبة لاستذكار، بعض الجوانب من هذه الشخصية العظيمة، اذ ما تزال اشعاعات هذه الشخصية تضئ الدروب للعالم، فالسيرة العطرة التي سطرتها كتب التاريخ طوال مراحل حياته المباركة، نبع مستمر يروي منه البشر كل بقدر طاقته ومستوى معرفته، ومدى قدرته على الاستيعاب والفهم، ”امام الرحمة وقائد الخير ومفتاح البركة كما نصب لامرك نفسه وعرض فيك للمكروه بدنه وحارب في رضاك اسرته وقطع في احياء دينك رحمه“، فالرحمة لم تقتصر على مرحلة الرسالة «23» سنة وانما شملت كل لحظة من لحظات عمره الشريف، بحيث طالت بركاته الجميع في مجتمع الجاهلية بمكة المكرمة.

رحمة رسول الله ﷺ لا تقتصر على جانب دون اخر، فهي شاملة لمختلف الجوانب الحياتية والشرعية والأخلاقية والسلوكية والاجتماعية والعسكرية والاقتصادية والسياسية، وبالتالي فان مصاديق تلك الرحمة ليست خافية في تفاصيل السيرة العطرة طوال 63 عاما من عمره الشريف، خصوصا وان كتب التاريخ نقلت الكثير من الاحداث والوقائع التي تكشف الرحمة لدى سيد الخلق، مما دفعت الكثير من الشخصيات الكافرة للاذعان للحق بالقول ”مد يدك يا محمد.. وانا اشهد انك رسول الله“.

دراسة التفاصيل المتعلقة بالشؤون الحياتية، لشخصية افضل الأنبياء ﷺ، ليست متاحة للباحث نتيجة القصور، في تناول هذه القامة الشامخة التي وصفها الخالق في كتابه «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ»، وبالتالي فان المرء يحاول التطرق الى الشيء اليسير، من جوانب سيرة سيد الخلق ﷺ، بهدف تسليط الضوء على قطرة من بحر ”رحمة“ الرسول الاكرم ﷺ، والتي يصعب حرصها ضمن اطار ضيق، وخلال بضع كلمات قليلة، ”طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ“ كما وصفه سيد الاوصياء في نهج البلاغة.

ينقل التاريخ الكثير من القصص ذات الدلالة الكبيرة، على رحمة افضل الخلق ﷺ، سواء في قومه اثناء تبليغ الرسالة، فهناك الكثير من القصص التي تتضمن مقابلة الجحود والانكار، بمزيد من الرحمة ”اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون“، فضلا عن التعامل الحسن مع كفار قريش بعد فتحها، ”اذهبوا فانتم الطلقاء“، وغيرها من المواقف الكثيرة التي سجلتها بعض كتب السير، التي تناولت حياه المصطفى منذ اليوم الأول لبدء الدعوة الإسلامية، فبالرغم من التنكيل والتكذيب التي واجهه من كفار قريش، فانه حرص على مقابلة الإساءة بالرحمة والعفو.

الرسالة الإسلامية تمثل احد مصاديق رحمة رسول الله ﷺ للعالمين، فهي تنتشل البشرية من طريق الظلام والضياع، الى جادة النور والصلاح، فالاسلام بما يحمل من تشريعات وقيم، يمثل السبيل لفتح الافاق امام المجتمعات البشرية، حيث يتضمن الكثير من الاخلاقيات التي تحمل في طياتها الخير والرحمة، لزيادة التلاحم وتعزيز السلام بين البشر، مما يمثل قمة الرحمة الإنسانية في مختلف الأصعدة، وبالتالي فان الإسلام الذي جاء به سيد الخلق، ما يزال رحمة للجميع الى يوم القيامة.

انتشار الديانة الإسلامية على رقعة واسعة من العالم، احد دلالات رحمة رسول البشرية ﷺ، فالدخول في الإسلام نعمة كبرى، وتوفيق من الله بواسطة سيد الخلق ﷺ، خصوصا وان المرء يبقى في تخبط وضياع بدون عبادة الخالق، نظرا لافتقاره للبوصلة القادرة للتوجيه السليم، للصلاح والسعادة في الدينا والاخرة.

كاتب صحفي