آخر تحديث: 29 / 1 / 2020م - 11:28 ص  بتوقيت مكة المكرمة

غنيمة الربع الأخير

من عجائب الدنيا أن كلَّ الملذات تجتمع في نهاية الأوقات! وليس الربع الأخير، قبيل فصل الشتاء، استثناء من قاعدة الأزمنة التي تبعث في النفس سُروراً ورِضا. إذ في الربع الأخير تبدأ الطبيعةُ في خزنِ طاقتها رويداً رويداً حتى تكمن وتسبت في فصلِ الشتاء قبل أن تنطلق في فصلِ الربيع.

الربع الأخير من السنة ينادينا في اعتداله بأن نخرجَ من قماقمنا ومنازلنا لنرى الصحاري الواسعة في جمال بساطها الرملي وانتثارِ نجوم سمائها. تلك الأجزاء من الأرضِ التي كان من سبقونا من البشر يناضلونَ للعيش فيها، وبين قطعانِ الحيوانات والمضارب وواحات المياه استقر فيها أناسٌ كتبوا دواوينَ العشقِ والغرام.

الربع الأخير فيه دعوةٌ لنا أن نمشي في الأرض وندب على أرجلنا بدلاً من الجلوسِ خلف الجماد الذي نسميه ”آلة التواصل“، وهو ليس سوى آلة تقاطع وحفلات زجل يتقاطع فيها البسطاء وهم يظنونَ أنهم يغيرون مخارجَ ومداخلَ الشمس واتجاه هبوب الريح. بينما هي التي تنجح في تغيير قناعاتنا وتوجهاتنا.

فمهما تكن وجهتك في هذه الأيام ليكن منها قسطٌ للثرثرة مع من أحببت والمتعة بالطبيعة في الطبيعة فهذه الثرثرة دون أن ندري هي ما يجعلنا أكثر راحةً وابتهاجاً في زمن تلاحقنا فيه أنباء ما يجري في العالم دون هوادة. ينادينا الليلُ الطويل في هذه الأيام هلا اختلستم ساعةً من راحةِ البال مع جليسٍ كَيِّس تحت ضوءِ قمرٍ مكتمل!

تحكي الإحصائيات مع كلِّ أسى كيف غزت الأسقامُ أجساد البشر في نمط العيش حتى صار أكثر من نصفِ تلك الأسقام مصدره كيف نعيش؟ ماذا نأكل وكيف نتحرك وننام؟ وكم نحمل بين جوانحنا من همٍّ وغم؟ ملايينٌ من البشر يواجهون العلل بجميع أشكالها والعاهات الدائمة والموت سريعاً، وكلها استدعيناها وجعلناها جزءً من حياتنا! بينما استنتجت الأبحاث الطبية في ”Harvard Medical School“ أن نمط الحياة السليم في خطواتٍ قليلة يزيد في أعمارِ النساء أربع عشرة سنة والرجال اثنتا عشرة سنة إن كانوا في الخمسين من أعمارهم.

تنشغل المصانع في إنتاجِ أدوية جميلة سهلة الهضم، وباهظة الثمن، ونحن بدلاً من حمايةِ أنفسنا من المرض والعلل نجري وراء الدواء المُصَنَّع. بينما قد نجد الدواءَ دونَ ثمن في الأكلِ القليل الجيد ووزنٍ معتدل ونشاطٍ في الحركة، ونار كانون الخريف والشتاء بدلاً من دخان التبغ. إذاً أفليسَ كل هذه الملذات تجتمع في الربع الأخير من كل سنة، في مثل هذه الأيام؟ فهلا اغتنمناها!

مستشار أعلى هندسة بترول