آخر تحديث: 3 / 4 / 2020م - 12:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

جاذبية الروح

ورد عن رسول الله ﷺ: ﴿خياركم أحاسنكم أخلاقا يألفون ويؤلفون «تحف العقول ص 45».

معيار التفاضل الحقيقي والقيمة الفعلية للمرء هي بما يحمله من خلق جميل يرضيه عن ذاته ويزينه في أعين الناس من حوله، فالعلاقات الاجتماعية الناجحة قوامها الألفة والانسجام والتعامل بالطيب والاحترام للغير، وأما من يستعدون الناس ويصنعون عداوات لهم مع الآخرين بسبب خشونة تعاملهم فقيمتهم ليست بشيء، إذ فقدوا رشدهم ولم يضعوا نصب أعينهم مقومات النجاح والسعادة والإستقرار النفسي والحظي بجاذبية ومحبوبية في وسط محيطهم، فكل إساءة للآخر وتجاهل لوجوده وتوجيه أقذع الكلمات نحوه تشكل انفصاما لعلاقاته واتجاهها نحو الضمور والاضطراب ويؤرقه المناكفات والخلافات.

وإذا كان هناك ثمة ميدان للمنافسة والترقي بالنفس في علياء الألق والنجاح، فليكن ذلك في مضمار الخلق الحسن والتعامل الراقي مع الآخرين، فمتى ما تخلص المرء من أغلال النفس النرجسية والمتوحشة والمتلهفة للشهوات، فإنه يتجه بقوة نحو اكتساب الخصال الحميدة كالطيب والتسامح والإيثار.

أين نحن من هذه التحفة السنية والكنز المنشود في زمن كثرت فيه الخلافات وتأججت وتجذرت؟!

في لحظة تأمل وهدوء ونظر فيما وصلت إليه العلاقات الأسرية والإجتماعية من وضع مزر وسيء، قد نخرها سوس المناكفات والمشاحنات والكراهيات وسادت بينهم الإحن، بل وتآكلت تلك العاطفة الصادقة والمحبة الجميلة وتنافرت القلوب بسبب فقدان مقومات الألفة والتسامح والعيش المشترك.

الألفة بين الناس مساحة الحب والاحترام والحديث العفوي بلا تكلف، ولكننا نجد اليوم انحسار هذه الرقعة بسبب طغيان النفس والغلظة في التعامل، فتجد بين الناس من لا يحظى بالصديق بسبب خشونته وصعوبة التعامل معه، وتجد في محيط الأسرة ضحايا للعنف اللفظي من الوالدين أو بين الإخوة لفقدان الأنس بالآخرين من حوله، وكل هذه النفرة سببها شراسة الأخلاق كالبخل والأنانية والتكبر والحقد والغيرة المفرطة وغيرها.

الألفة انبساط في اللقاء وحسن التحية وأنس في الحديث وتبادل الآراء، فالمؤمن أليف العيش لا تشعر معه بغربة أو ضيق النفس أو الملل؛ لأنه يحمل بين جوانحه روحا جميلة تعلي مكانة من أمامها وتحترم حديثه ومشاعره، وهذا الانسجام مع الآخرين ليس من السهولة بمكان مع اختلاف الطباع والأمزجة ووجهات النظر، فهناك من الشخصيات ما هو سهل وشفاف لا تشعر معه بوجود ما يتعمد إخفاءه، وهناك الشخصيات الغامضة والصعبة والمتلونة الماكرة، وتحقيق الانسجام مع أطياف المجتمع يحتاج إلى ذكاء اجتماعي وسعة صدر وصبر وتوظيف لمهارات التعامل الحسن وحسن استماع للآخر وتقبل ظروفه، دون استنزاف لطاقته النفسية من خلال تكوين أكبر قدر من شبكة علاقات اجتماعية ناجحة مع احتفاظه بثقته واهتمامه الخاص بثلة من حوله يعتمد عليهم.

وهناك من يقوض معالم الألفة والمودة مع محيطه من خلال تصرفات طائشة لا يقدر نتائجها الوخيمة عليه، فهل يحصد الألفة والمحبة من يدخل في جولات الصراع والحوارات العقيمة والتطاول على الآخرين بالصراخ ومقاطعة الحديث؟!

هناك من يتحلى بجاذبية خاصة تجبر الآخرين على احترامه وتقديره، لما يتمتع به من حسن الإطلالة والتحية وترابية التعامل والتواضع وابتسامته التي تعلو محياه، إنها مهارات الجاذبية والألفة وتسمى بالذكاء الاجتماعي الذي يكسبك الثقة والانسجام مع المحيط من حولك، فالإنسان المحبوب الأنيس يتمتع بكاريزما خاصة من ملامح الطيب والتسامح، وفي المقابل هناك من يبدي رعونة ولا مبالاة بوجود الآخرين ولا مشاعرهم، فيدخل معهم في جولات عراك وصراع يومية لا تخلو من النكد والمتاعب.