آخر تحديث: 11 / 8 / 2020م - 12:37 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الثوابت.. المجتمع

محمد أحمد التاروتي *

مجموعة القيم الحاكمة في المجتمعات البشرية، تمثل البوصلة القادرة على تحديد المسارات المستقبلية، فهي تعطي المجتمعات زخما كبيرا في مواصلة مرحلة العطاء، وعدم التوقف امام العراقيل الصغيرة، خصوصا في ظل وجود ”مرتكزات“ قادرة على بث الروح الإيجابية في التفكير الجمعي، مما يشكل احد العناصر المساعدة على بعث الروح الوثابة في النفوس، والعمل على إيجاد الوسائل المناسبة، لاختراق حجب الاحباطات المادية والمعنوية، لاسيما وان عملية التحرك الجمعي تتطلب خارطة طريق، قادرة على التأقلم مع التطورات، والمتغيرات على الدوام.

التمسك بالثوابت ليس مدعاة للتحجر، وعدم التعاطي بروح ”إيجابية“، مع التحولات المتسارعة في العالم الخارجي، لاسيما وان القدرة على قراءة المستجدات بشكل واقعي ”مفتاح“، لتجاوز العديد من التعقيدات والتحديات، التي تواجه العقل الجمعي في الغالب، وبالتالي فان، المرونة تمثل حالة إيجابية، وليست عملية ”انهزامية“ كما يتصور البعض، او ”انحناء“ امام العاصفة القوية، فهناك فرق كبير بين التنازل الكامل، واسقاط جميع الأوراق الرابحة، ومحاولة الاستفادة من التحولات الكبرى، وتسخيرها بشكل متوازن مع الحركة الجمعية، مما ينعكس بصورة واضحة على الأداء الكلي للمسيرة الاجتماعية الشاملة، خصوصا وان العملية ليست مرهونة بخيارات محددة، وانما مقرونة بالعمل الجاد في جميع المستويات، ومحاولة وضع الأمور في السياق المستقبلي.

الثوابت تمثل السلاح الأكثر قدرة، على احداث التوازن الداخلي والخارجي، للعقل الجمعي للمجتمعات، فهي تحرك التوجهات الفردية باتجاه مسارات محددة، مما يوفر ”المناعة“ الذاتية للتغلب على التيارات، والأفكار المناوئة، لاسيما في ظل الصراع القائم بين التيارات الفكرية العاملة في الساحة الاجتماعية، وبالتالي فان الثوابت بمثابة الحصن القوي في مشوار الصراع الفكري، القائم بين التيارات على اختلافها، الامر الذي يفسر محاولات التيارات المناوئة التشكيك في الثوابت، لاحداث زعزعة داخلية في التفكير الجمعي، مما يشكل بداية نحو توجيه الضربة القاسمة للطرف المقابل.

المراهنة على الثوابت في التحولات الكبرى، بمثابة ”الحصان الرابح“، فالتخلي عن الثوابت بداية الهزيمة في مختلف المجالات، لاسيما وان التشكيك في إمكانية صلاحية الثوابت، على التأقلم مع المتغيرات، سواء الصغيرة او الكبيرة، يعطي فرصة سانحة للبحث عن البدائل، مما يفقد المجتمع البوصلة القادرة، على وضع الخيارات السليمة، في اصعب الظروف، وبالتالي فان العملية ليست مرتبطة بخيارات فردية او حرية شخصية، فالنتائج المترتبة على التنازل عن الثوابت، لا تقتصر على الاطار الشخصي، انما تشمل جميع تفاصيل الحياة الاجتماعية، الامر الذي يسهم في فقدان الهوية، وعدم القدرة على التماسك الداخلي، جراء الانفلات الحاصل جراء التفريط، بمجموعة القيم الحاكمة على العقد الاجتماعي الجامع.

المجتمع يشكل الغطاء لحماية العقل الفردي من الانزواء جانبا، فالتحرك الجمعي باتجاه التمسك بالقيم، وعدم الالتفات للدعوات ”المشبوهة“، او غير الصادقة، يساعد في الدفع باتجاه انتهاج خيار المقاومة، وعدم الاستسلام، خصوصا وان الفرد لا يجد مناصا من الاستجابة للضغوط الاجتماعية، ومحاولة اظهار الرفض باشكال مختلفة، فضلا عن كون الغطاء الاجتماعي عنصر أساسي، في تحريك الفرد باتجاه التمسك بالثوابت، استنادا على دعم التحرك الجمعي والشعور بوجود جدار، يمكن الاعتماد عليه في معركة الصراع على الثوابت.

التحرك الاجتماعي يساعد في وضع الأمور في الاتجاهات المناسبة، لاسيما وان الثوابت تشكل احد العناصر الأساسية، في وضوح الرؤية لدى العقل الجمعي، مما يجعل التخبط وعدم التوازن في التحرك غير وارد على الاطلاق، وبالتالي فان الثوابت قادرة على صنع ”المعجزات“، باعتبارها الوقود للتزود بالقوة الضرورية، للوقوف امام التيارات الداعية ”للتنازل“ تحت شعارات كثيرة، بغرض سلب المجتمع من احد عناصر القوة، في الصراعات الفكرية، بمختلف المراحل الحياتية.

كاتب صحفي