آخر تحديث: 10 / 8 / 2020م - 1:31 م  بتوقيت مكة المكرمة

الاختلاف.. المجتمع

محمد أحمد التاروتي *

مساحة الاختلاف وحرية الرأي، تختلف باختلاف المستوى الثقافي، ومدى الاستعداد لاستيعاب وجهات النظر المغايرة، فالعملية مرهونة بالبيئة الاجتماعية الحاضنة لتعدد الآراء بالدرجة، وبالتالي فان انتعاش الاختلاف في مختلف القضايا، يمثل انعكاسا طبيعيا للثقافة المجتمعية السائدة، فهناك مجتمعات قادرة على استيعاب التباين الفكري وتعدد الآراء، باعتبارها ظاهرة طبيعية ضمن التوجهات الفكرية، الامر الذي يسهم في اثراء المشهد الثقافي، ويساعد في تكريس حرية الرأي في مختلف المجالات، لاسيما وان الرأي الواحد يحد من التطور الفكري، ويقضي على المساهمة الفاعلة، في عملية البناء بشكل عام.

الاختلاف لا يشكل ظاهرة خطيرة، وانما يساعد في ”الإضاءة“ على مكامن الخطأ، اوالعمل على تصويب بعض الأخطاء، ”اعقل الناس من جمع عقول الناس الى عقله“، وبالتالي فان الاحتكار يولد الجمود، ويقضي على التنوع الثقافي، مما ينعكس على المسيرة الاجتماعية، خصوصا وان القمع الفكري يجهض المحاولات الجادة، لايجاد ”المخارج“ المناسب لمعالجة بعض الأمور الاجتماعية، فالدعوة الى تقليص مساحة الرأي تجلب معها الكثير من المعاناة، وبعض الامراض الاجتماعية، بحيث ينعكس على السير بشكل غير سوي في نهاية المطاف.

النظرة السلبية تجاه تعدد الآراء، تدفع باتجاه اختيار طريق ”القمع“، فهناك اطراف تحاول الاستفراد بالساحة، وعدم السماح ببروز اراء أخرى، من خلال وضع ”العصا“ في الدولاب، وعدم فتح القنوات لاستيعاب تلك الآراء، فتارة عبر التشكيك في نوايا أصحاب الآراء الأخرى، وتارة أخرى عبر تأليب الرأي العام، من اجل احداث حالة من الخصام، تجاه أصحاب الآراء المغايرة.

البيئة الاجتماعية الواعية، قادرة على احداث تحولات فكرية، في العقل الجمعي تجاه مساحة الاختلاف، فهي تقف بقوة امام جميع الدعوات المعارضة، او الداعمة لمصادرة الآراء، او تقليص المساحات الممنوحة، الامر الذي يسهم في تكريس هذه الظاهرة في الثقافة الاجتماعية، بين الأجيال على اختلافها، مما ينعكس على رؤيتها لطبيعة الاختلاف، سواء على الصعيد الفكري، او الاقتصادي، او غيرها من الأصعدة المختلفة، وبالتالي فان المجتمع يمثل المحرك الأساس، وراء خلق المناخ الملائم لنمو حرية الرأي، بحيث تبرز على شكل ممارسات عملية من خلال التعاطي اليومي، بين مختلف الشرائح الاجتماعية، مما يحدث تطورا فكريا لدى مختلف الفئات العمرية.

المخاوف من اتساع مساحة الرأي، ليست مبررة في الغالب، فالرأي الاخر يهدف للاضاءة على بعض الجوانب الخافية، خصوصا وان الآراء تنطلق أحيانا من بعض الزوايا، مما يمنع من الرؤية الشاملة لمختلف الزوايا، وبالتالي فان محاولة الالمام بجميع الأمور تبدو صعبة، نظرا لمحدودية القدرات لدى الكثير من الناس، مما يستدعي وجود اطراف قادرة على القراءة، من جوانب أخرى غير واضحة، الامر الذي يساعد في استكمال الصورة، والخروج بتصورات اكثر وضوحا، بحيث تنعكس على شكل ممارسات عملية في طبيعة التعاطي مع الاخر.

المجتمع قادرة على بث الثقافة الاستيعابية، لدى مختلف الشرائح الاجتماعية، خصوصا وان وجود مرتكزات فكرية داعمة لتقبل الاخر، تؤسس لبيئة حاضنة، بحيث تتمثل في العديد من المجالات الحياتية، لاسيما وان الثقافة الفردية القائمة على الاستيعاب، تلعب دورا أساسيا في تكريس مساحات الاختلاف، بين مختلف الشرائح، فالانفتاح على الاخر والعمل على الاستعانة بالاراء الأخرى، يساعد في استكمال المشروع الاجتماعي الإيجابي، ويقضي على جميع محاولات تضييق مساحات الاختلاف.

يبقى الاختلاف ظاهرة صحية، وليست جريمة كبرى، فهي تدخل ضمن السياقات الإنسانية، القائمة على تباين وجهات النظر، بالاعتماد على المستوى الثقافي، وكذلك على الاليات المعتمدة على معالجة تلك القضايا، وبالتالي فان المجتمع يشكل البيئة المناسبة لاطلاق مساحة الاختلاف، سواء في الأوقات الرخاء او الشدة، فالعملية ليست مرهونة الظروف الاستثنائية او الطبيعية، التي يعيشها المجتمع، بقدر ما تمثل احدى القيم الأساسية، في مسيرة المجتمعات البشرية.

كاتب صحفي