آخر تحديث: 29 / 1 / 2020م - 9:18 ص  بتوقيت مكة المكرمة

نسيتُ أن أحيا

لا يغيب عن أذهاننا يوماً أننا بشرٌ من لحمٍ ودم، تغلب فينا العاطفة فنؤثر ونتأثر، ولولا التكامل مع المؤثرات الكونية لكنا من الجمادات أو من أصنافِ المخلوقاتِ الأخرى. ويبقى السؤال: هل يجب في هذا البحر الهائج من المؤثرات أن ننسى الحياةَ كلها؟ فنستيقظ في الستين والسبعين والثمانين لنجد أننا نسينا كلَّ شي، وأولَ ما نسيناهُ هو الحياة! في الواقع أن مشكلة الإنسان تكمن في لمعانِ وبريق الذهب والفضة، بهما يحيا وبهما يموت ومن أجلهما ينسى الحياة، وقبل أن يذهبَ إلى القبرِ بقليل يتذكر أنها انتهت ولم تكن إلا حياةً هزيلةً غيرَ مجدية، توقفت حين اصطدمت بالموت!

حكمَ الاسكندرُ المقدوني الدنيا من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، ولم يمنعه ذلك أو يحميهِ من الموتِ في سنواتِ الشباب. درس الاسكندر وتتلمذَ على يدِ الفيلسوف والعالم الشهير أرسطو. يذكر له التاريخ كثيراً من المقولاتِ والوصايا التي جاء فيها: ألاَّ يحملَ نعشه عند الدفنِ إلا أطباؤه ولا أحدَ غيرهم، وأن يُنثر في الطريقِ من مكان موته حتى المقبرة قطع الذهبِ والفضة وأحجاره الكريمة التي جمعها طيلةَ حياته، وأن تُخرج يداهُ من الكفنِ وتبقيان معلقتين ومفتوحتين للخارج من فوقِ النعش.

ولما سأله أعوانه عن معنى الوصايا قال لهم: إن الصحةَ والعمرَ ثروة لا يمنحهما لنا البشر ولن ينفعَ الأطباءُ في منعِ الموت إذا حضر، وأن كلَّ وقتٍ قضيناهُ في جمعِ المال وفتات الذهبِ الذي لن نأخذه في رحلةِ الموتِ ضاعَ هباءً منثورا. وليعلمَ الناسُ أننا قدمنا إلى هذه الدنيا فارغة أيدينا وسنخرج منها كما جئناها.

مما يذكر من حكمةِ الحياةِ أنَّ أستاذاً أعطى درساً لطلابه في الصفِّ حين رسم نقطةً سوداء فوقَ صفحةٍ بيضاء، رفعها أمامهم وسأل: ماذا ترون؟ فعلت أصواتُ الطلابِ من جوانبِ الحجرة فرحين بالإجابة: نقطةً سوداء، نقطةً سوداء! قال لهم الأستاذ: ولمَ لمْ تقولوا أنكم رأيتم صفحةً بيضاءَ فيها نقطة سوداء!؟ لن تخلو حياة البشر من نقطةٍ أو نقاطٍ سوداء منذ الولادة حتى الممات، لكننا لو نظرنا من حولنا وجمعنا مساحاتِ الحياة البيضاء وأنقصنا منها المساحاتِ السوداء لكان الغالبُ على أيامِ حياتنا اللون الأبيض، ومن فاته منا شيءٌ في الدنيا يوفَّ أجره في الآخرةِ كاملاً غير منقوص.

كتب ابن كثير في كتابه ”البداية والنهاية“ أن ذا القرنين لما حضرته الوفاةُ أوصى أمه إذا هو ماتَ أن تصنع طعاماً وتجمع نساءَ أهل المدينة وتضعه بين أيديهن، وتأذن لهم فيه إلا من كانت ثكلى فلا تأكل منه شيئا، فلما فعلت ذلك لم تضع واحدةٌ منهن يدها فيه فقالت لهن: سبحان الله كلكن ثكلى؟ فقلن: أي والله ما منا إلا من أثكلت فكان ذلك تسليةً لامه.

لا تنفك النقاطُ السوداء تذكرنا بجمالِ وقيمةِ البياض، فالموتُ يذكرنا بقيمةِ الحياة، والمرضُ يذكرنا بقيمة العافية، والخطايا تذكرنا نقاءَ الطاعة، ودقائق معدواتٍ من ألمِ المخاض وعَرَق الجبين تؤذن بقدومِ مولودٍ جديد. فلنقدم الشكرَ للهِ إذاً أن كانت حياتنا في مجملها بيضاءَ بلونِ القيمِ والأخلاق الحميدة!

مستشار أعلى هندسة بترول