آخر تحديث: 26 / 9 / 2020م - 3:31 م  بتوقيت مكة المكرمة

لوحاتٌ رسمناها في ذاكرتهم

من منكم ليس لديه ذكرى من ذكريات الطفولةِ والصبا؟ لا شك أننا كلنا نقتات من ذكرياتنا ونعيش عليها. وكثيرّ منها خطها والدانا وأقارب لنا وأناسٌ من حولنا. هي مشاهدَ رأيناها، وأصواتاً سمعناها، وأنفاساً شممناها، وأماكنَ زرناها، هكذا يصطف طوبُ ذكرتنا طوبةً فوق الأخرى.

هذا الشتاءُ على الأبواب ومن منا لا يتذكر لماتِ الطفولة وجمعاتِ الصبا، حول الكانون والمدفأة، بين حكاياتِ الجدات والأمهات ومزاح الأقران والإخوة. كان الكبار يظنوننا نجلس طلباً للدفء لا غير! لكننا حتماً كنا نسمع ونرى ونحفظ المناظرَ والأقوال حتى يأتي يومٌ نكون فيه من يصنع الذكريات لغيره. هذه الذكريات هي التي تُشعل خيالَ من يروي ومن يقص، ومن يخترع ويبدع، ومن ينقل الحوادثَ والتاريخ.

هذه الذكريات هي التي تجعل أولادنا أكثر رحمةً بنا حين يتذكرون ويسترجعون كم كنا رحماءَ بهم، فحريٌّ بهم اليوم أن يوفوا كيل البر لنا. خطيئةٌ وذنبٌ لا يغتفر أن تُصبحَ ذاكرةُ الأجيالِ اليومَ منقوصة، يزاحمها كثيرٌ من الذكريات التي يكتبها غيرنا، من الشياطين، يسرقونها منهم ومنا وحين يكبرون ونكبر كأنَّ شيئا لم يكن! قوانينُ الفيزياء لا تسمح لأي حيزٍ أن يكونَ فارغاً لا شيءَ فيه، لذلك لابد أن نملأَ ذاكرةَ صغارنا بأقوالٍ وأفعالٍ تذكرهم بهجةَ الأيامِ وجمالها.

ولأنَّ ريشةَ الرسمِ تأتي بكل الألوان وطعم الذكريات يأتي في كل المذاقات، فليكن اللون الأبيض الناصع هو الذي نخط به والطعم الحلو هو الذي نطعم به لوحةَ ذكرياتِ أجيالنا. لا يكفي أن نقول لهم: اسمعوا وأطيعوا، بل نريهم كيف نحن، فهم كلهم آذانٌ يسمعونَ بها، وأعينٌ يرونَ بها، وقلوبٌ يعونَ بها في الوقتِ الذي تتشكل وتتلون لوحة ذكرياتهم. ليس غريباً أن تتلون لوحةُ ذاكرةِ أطفالنا وهم في بطونِ الحوامل يخزنون ما يسمعون، ثم في سنواتٍ قليلة ينحفر في ذاكرتهم ما يرونَ في محيطهم من جمالٍ أو قبح. ودن شكٍّ أن ما تسجله ذاكرتهم من مشاهدَ سوف تمر منها في من يأتي بعدهم!

اليوم ينافسنا على ذاكرةِ أطفالنا كثيرٌ من المنتجات الشيطانية في رسومٍ جميلة تشعل خيالهم، وكلماتٍ عذبة تدغدغ مشاعرهم، وعندما يكبرون نسأل: لمَ فعلوا هذا؟ وكيف؟ والجواب هو: عندما غفلت الأسرُ عن لماتِ حكايا الجد والجدة ورضوا أن يقوم غيرهم بملء ذاكرة أبنائهم، حصل هذا!

في الذكرياتِ الطيش والحماقات، والضحك والبكاء، سنةُ الحياة أن تتقلب الأيام ولا تدوم على حال، فلنعتبر الزمان وعاءً نصب فيه الذكريات التي تستحق الحياةَ لمن بعدنا جيلاً بعد جيل. إن كان عندك صغير يطلب الدفء في هذا الشتاء دسه تحت الغطاء في سريركَ ولو للحظات يهرب من البردِ وينعم في دفءِ أقاصيص لن ينساها...

مستشار أعلى هندسة بترول