آخر تحديث: 28 / 1 / 2020م - 11:35 م  بتوقيت مكة المكرمة

لماذا صالح الامام الحسن (ع)

عبد الرزاق الكوي

قال الامام علي عن اهل الكوفة :

« ملأتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيظا، وجرعتموني نغب التهمان أنفاسا، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان ».

بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه واله تكالبت على أمير المؤمنين الفتن وأشدت هذه الفتن والمؤمرات وبلغت أوجها عند استلامه الخلافة، فلم يتركوه ليصلح ما أفسدته الأيام ويكشف واقع وصل الحظيظ من التردي ويكشف الزيف المستشري في الائمة، فالرسول صلى الله عليه واله القائل ياعلي لا يحبك الا مؤمن ولا يبغضك الا منافق، برزت حفنة من المبغضين للإمام علي اثارت الحروب وألبت المجتمع وأخذت الأمة الى مصير من مجهول والفتن، برز فيه قول الصادق الأمين صلى الله عليه واله في حق الامام علي ، ومكانته وما سوف يتعرض له، شنت عليه حروبا شعواء متتالية انكشفت فيها الوجوه على حقيقتها من قاموا في وجه من معه الحق، والرسول الأكرم القائل علي مع الحق والحق مع علي في كل سكناته وتحركاته وتصرفاته، فهو القران الناطق والمبلغ عن الرسول صلى الله عليه واله، فالحرب التي شنت على امير المؤمنين حربا على رسول الله وحربا على الاسلام وعلى ممثل الاسلام امام المتقين المدافع عن حمى الدين منذ نعومة أظافره، فلهذا كانت حرب ظالمة استخدمت فيها جميع الوسائل المتاحة سواء الإعلامية او الاقتصادية او السياسية او العسكرية، اثر كل ذلك على مكانة وقوة وتماسك معسكر الامام علي بخوض هذا المعسكر حروبا شنت عليه اكلت الأخضر واليابس راح ضحيتها صحابة اجلاء من اجل حقد دفين على ما قام به أمير المؤمنين من الدفاع عن الرسول والرسالة وقتل كبار قادة قريش أعداء الرسول والرسالة بقى هذا الحقد الدفين في النفوس، تلك الحروب أضعفت معسكر الكوفة المتردد، وبعد ما أعيته الحروب اصبح ديدنه التخاذل عن القيام بواجب الجهاد وعدم التزامهم بأوامر القيادة، مما اضطر في احد حروبه في الدفاع عن قيم الاسلام بعد رفع المصاحف ان يوافق على التحكيم وهو المنتصر وهزيمة الجيش الأموي. وإجباره بالقبول بالتحكيم رغم محاولاته إفهام جيشه ان كل ذلك مؤامرة وغدر ولؤم من قبل بني امية، بقى على هذا الحال من الفتن والظلم حتى شهادته في بيت من بيوت الله جلا وعلا وفي محراب الصلاة، فهذا هو المغدور به وليد الكعبة وشهيد المحراب، فابحث عن من عاده وظلمه وأداه ونكل بأهل بيته من بعده.

وصف حال معسكره أنه قال فيهم سلام الله عليه :

« فلو أنّ امرءا مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما، بل كان به عندي جديرا. فيا عجبا عجبا واللّه يميت القلب ويجلب الهمّ، من اللّه وترضون فاذا أمرتكم بالسّير إليهم في أيّام الحرّ، قلتم : هذه حمارّة القيظ، أمهلنا يسبّخ «أي يخف» عنّا الحرّ، وإذا أمرتكم بالسّير إليهم في الشّتاء، قلتم : هذه صبارّة القرّ، أمهلنا ينسلخ عنّا البرد، كلّ هذا فرارا من الحرّ والقرّ، فإذا كنتم من الحرّ والقرّ تفرّون، فأنتم واللّه من السّيف أفرّ.

يا أشباه الرّجال ولا رجال حلوم الأطفال، وعقول ربّات الحجال. لوددت أنّي لم أركم ولم أعرفكم معرفة واللّه جرّت ندما، وأعقبت سدما. قاتلكم اللّه لقد ملأتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيظا، وجرّعتموني نغب التّهمام «أي جرع الهم» أنفاسا، وأفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان ».

بعد شهادة أمير المؤمنين الامام علي واستلام الامام الحسن زمام الخلافة والإمامة بعد ابيه، استلم جيشا منهكا تتقاذفه الأهواء ويموج بالتخاذل، استمر بنو اميه في حرب اشد شراسة في وضع هم صنعوه وواقع عملوابكل جد من اجل القضاء على البقية الباقية من معسكر الامام الحسن ، الجيش المتهالك والمستسلم والمنهار نفسيا ومعنويا وبدأ تأثير المال الأموي يأخد مفعوله والإعلام المضلل يفعل فعله بقلب الحقائق وتشويه مكانة الامام الحسن وقتله سياسيا واضعاف قيادته وتفكيك ما تبقى من معسكره، في ظل جيش أموي متماسك لم تنهكه الحروب وبعيد عن الصراعات التي نخرت الجسد الكوفي. يتظاهرون بالولاء ولكن لا رغبة لهم بالدفاع عن نصرة الدين ومقاومة ما يحاك للامة من مؤامرات، غلب عليهم الضعف والخوف التي زرعه إعلام المطبلين واحاديث المزيفين ووعاظ السلاطين، واستكانوا للدلة وعشعشت في افكارهم بأن لا طاقة لهم بمقاومة جيش الشام.

قال الامام الحسن :

« رأيت أهل الكوفة قوما لا يثق بهم أحد إلا غلب، ليس احد منهم يوافق آخر في رأي ولا هوى، مختلفين لا نية لهم في خير ولا شر ».

عندما تيقن بني امية بالحالة التي وصل فيها معسكر الامام الحسن ، وانه ليس باستطاعته مقاومة الجيش الأموي، جهز جيش من الشام لغزو العراق، فكتب قيادات معسكر الشام إلى بعض قادة الكوفة من اجل الاستسلام او الامتناع عن الانخراط في حرب تكون نتائجها وخيمه عليهم اذا بدأت الحرب، وإغرائهم بالأموال والمناصب والمكانة لدى بني اميه، فأجابه البعض وطلب منه البعض الآخر الأمان لأنفسهم، وصل الأمر ان عرض بعض الخونة وعديمي الذمة وقليلي الأصل ان يسلموا الامام الحسن أسيرا إلى جيش الشام، والطامة الكبرى والخيانة العظمى هي خيانة قائد الجيش وأقرب المقربين عند الامام المجتبى عبيد الله بن العباس هذا الخائن، أغرته بني امية بالمال فغذر بإمام زمانه وسبط رسوله صلى الله عليه واله مع مجموعة أربعة آلاف من الجنود انتقلو الى معسكر الشام كان أكثرهم من اتباع الخائن الأشعث بن قيس، وبايعت قبائل ربيعة معاوية وهي القوة الفاعلة في جيش الامام الحسن ، بقيادة زعيمها خالد ابن معمر.

الشاعر يقول :

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند

أصبحت حدود المناورة والاستمرار وإعادة تكوين جيش يستطيع الدفاع في وجه الجيش الأموي مستحيلة وان المجازفة بالدخول في حرب بالمتبقي من الجيش هو انتحار يذهب فيه ما تبقى من اهل البيت والصحابة، وينتهي امرهم تحت الهالة الإعلامية المدعومة من وضاع الأحاديث التي أوجدت هاله من القداسة على بني امية، كان الخيار الوحيد امام الامام الحسن بن علي تجرع كأس السم التي سقي منه من قبل المتخاذلين من جيشه وجعله يوافق على كأس اكثر سمّية وهو الصلح المعروفة عواقبه ضد الاسلام والمسلمين.

قال الامام الحسن :

« والله ما سلمت الأمر إليه إلا أني لم اجد أنصارا ولو وجدت أنصارا لقاتلته ليلي نهاري حتى يحكم الله بيني وبينه ولكني عرفت أهل الكوفة وبلوتهم ولا يصلح لي منهم من كان فاسد ».

هذا الصلح التي انقد به الامام الحسن الأمة من إبادة وقتل جماعي على يد بني امية، كل هذا العمل العظيم استعصى على فهم وتقدير وعقلية اتباع الامام الحسن وحتى خواصه لم يمتلكوا للوعي الكافي والظروف الخطرة المحدقة بالدين والحرب الشرسة للقضاء على الاسلام، وهذه العقلية سبقتها اجبار الامام علي في قضية رفع المصاحف عندما هزم جيش الشام وانقسم معسكر الامام علي وظهرت الخوارج لتبقى شوكة في خاصرة المسلمين الى يومنا هذا، كل ذلك جاء بسبب تخلي المسلمين عن اتباع طريق الحق والصراط المستقيم اهل البيت ، فعلى امتداد التاريخ ظلم الامام الحسن سيد شباب اهل الجنة والإمام مفترض الطاعة فجعلوا هذا الصلح المبارك على الأمة تبريرا لكل صلح أرادوا إقراره او تعاون مع ظالم او مغتصب او اعانة ظالم او تمرير اجندات خاصة او تراجع عن موقف او تقرب لمصلحة شخصية، حولوا كل مسؤولية الامام الشرعية ومكانته في إدارة شؤون الأمة وفقا لقواعد شرعية تحولت الى تبرير عند البعض وتراجعهم عن مواقفهم وتسابقهم لنيل المكانة الدنيوية، ومصالحهم الشخصية، يوما حسينيا متشدد ويوما حسنين مصالح، يختار ما يناسب تطلعاته الشخصية ومكاسبه الآنية.

ان ثورة الامام الحسن الإصلاحية تحتاج من اجل معرفته سعت أفق وقراءة واقعية بدون تجزيء الامور وان نبعد الأهواء الشخصية والامور الثانوية وان نرتقي بفكرنا حتى يصل الى حالة من الوعي نستطيع مواكبة صلح الامام الحسن ، فالرسول الأكرم ارواحنا له الفداء صالح حسب مقتضى ظروف المرحلة التي عاشها وهو لا ينطق هوى انه الا وحي يوحى، والإمام علي مع الحق والحق معه، رضي بالتحكيم عندما رفعت المصاحف في موقف يراد به باطل وافقا مجبرا حقن للدماء رغم محاولاته الجادة الشرح لمعسكره ومن أصروا على قبول التحكيم انها خدعه من قبل معسكر الشام، وكانت النتيجة ولادة الشجرة العفنة الخوارج التي ابتليت بها الامه حتى الوقت الحاضر بداعش ومن جاء قبلها وبعدها وما فعلته من دمار وخراب وقتل وإراقة دماء، والإمام الحسن وصلت آه الخلافة والإمامة في وضع لم تصله حالة المجتمع من سوء واضطراب كما كانت حالة الوضع في الكوفة، لولا حكمة الامام الحسن لانتهى الاسلام ومحي الدين، فكان المخطط القضاء على الدين بأسم الدين فالمعسكر الشامي كان يحتمي بالمزورين وواضعي الأحاديث ووعاظ السلاطين يكتبون ما يريد الحاكم ويبثون هذه السموم المزورة بأسم الدين، فلو قامت الحرب لقالت الأمة خليفتين اقتتلا مات خليفة وهو سبط الرسول وسيد شباب اهل الجنة وقتل اهل بيته والصحابة والاتباع، وبقى خليفة ينصر الاسلام ويرفع راية الاسلام، لولا الامام الحسن لما كانت ثورة الامام الحسين ولا ما اخدت كل هذا البعد في البقاء والاستمرار ولعب الدور الفعال في الأمة، فعمل الائمة ليس رغبة شخصية او أهواء وقتيه انها وعد رباني من الرسول صلى الآه عليه واله وصولا الى اهل البيت ، فمهما تنوعت الإدوار واختلفت السياسات وتغيرت المواقف يبقى الهدف الإصلاح في امة الاسلام وحماية الدين مما يحاك له من مؤمرات من الطلقاء وتصحيح المسار المنحرف، وبالنتيجة اقبل جميع الائمة شهداء من اجل القضية المصيرية الإصلاحية.

كشف صلح الامام الحسن الوجوه اولا من الاتباع الذين تخلوا عن نصرة الحق وركنوا للذل والمهانة، وكشف الزيف والكذب والخديعة الأموية، فقد قتل بني اميه الصحابة والتابعين وأهل البيت بدم بارد في ظل معاهدة صلح كانت من ابرز نصوصها عدم ملاحقة اهل البيت واتباعهم، فمع معاهدت الصلح قتل بني امية صحابة رسول الله فبدون الصلح ما كانوا سوف يفعلون.

كشف الامام بموقفه العظيم الزيف الأموي وعدم التزامهم بوازع ديني او مبدأ اخلاقي كان همهم الوحيد هو الامساك بمقاليد الحكم والتسلط على رقاب العباد، واحياء الأفكار الجاهلية في المجتمع الاسلامي.

فاليوم يعيد التاريخ نفسه في مواقف بعض اهل الكوفة المصيرية فمن تخلى عن الامام امير المؤمنين وسيدي شباب اهل الجنة اليوم يتخلون عن مرجعياتهم ويسلمون العراق الجريح للمجهول، بتصرفات طبعوا بها وبقت مترسخة في نفوسهم الغدر والتراجع عندما يكونون على المحك والمواقف المصيرية، أمور تدمي قلب كل من يحب العراق وشعبه ومقدساته، ومن يلتمس الأعذار لتاريخ حافل بالمواقف الغير مشرفة للبعض وليس لكل شعب العراق، فقد سطر الأبطال وليس المتخاذلين بطولات مشرفة بهزيمة الدواعش، وخرج قوي من حرب مدمرة ولهذا لن يترك العراق قوي، فكانت الشرذمة جاهزة يستغلون من قبل اجندات لن تسعد الا بدمار العراق وشعبه، فاليوم ينزلون للشوارع من اجل مطالب مشروعة ونبيلة يقف معهم العالم وتكفلها لهم المواثيق والأعراف الدولية، من اجل محاربة الفساد والمفسدين وتصحيح مسار العملية السياسية، لكن ما نراه على أرض الواقع لا يبشر بخير بل الى الدمار واضعاف ما وصل اليه العراق من قوة واستقلالية مواقف واتخاذ قرارات لا ترضي القوى العظمى، حيث استغلت هذه المطالب المشروعة لضرب البنية التحتية للعراق واشاعة الفوضى والقتل، مع ذلك نستبشر خيرا للعراق بما يملك من مرجعيات وقيادات تعمل من اجل عراق الخير والمحبة والمستقبل الحافل يقهر فيه بمشيئة الله ودعاء المحبين أعداءه.