آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 7:19 م  بتوقيت مكة المكرمة

منازعةُ السلاسل والعقود

لا شيءَ في الكونِ إلا يسعى للاستقرار، قوى طاردة وقوى جاذبة، تبدو في مظهرها أنها راغبةٌ بشدة في الافتراق، لكنها محكومةٌ بالاستقرار وانتظام الحركة واستمرارها. الاستقرار والسكون هي محطةٌ يسعى إليها جميع مكونات الكون وإن تعددت الطرق والمسالك التي توصل إلى هذا المبتغى. فمتى ما أُجبرت بعضُ مكونات الكون بسبب قوى خارجةٍ عن المألوف على الافتراق نراها تحاول جاهدةً العودةَ لما ارتاحت إليه من نظام.

لا أظن إلاَّ أن الإنسان هو أشد المخلوقاتِ توقاً للاستقرارِ والراحة، ”فلو ترك القطا لغفا ونام“، يألف الجنينُ السكينةَ في بطن أمه ويبكي عندما يُطرد منه، يرتاح الشيخُ للدنيا ويبكي عندما يخرج منها، وينزعج الميتُ من نفخِ الصورِ حتى أنه يود لو بقي في قبره دون أن يقوم، لكن الإنسان أضعف بكثيرٍ من أن يقاومَ القوى التي تسلبه استقراره وتفقده إياه، فيصبح أكثر مخلوقٍ يتعرض لهزات التغيير. ألا ترى أننا نعتاد في طباعنا ألفة من نحب من الناس، وتعتاد حواسنا في الأكلِ والشرب والملبس، والعمل والحركة وفي كل شيء تقريباً! ثم لا تلبث أن تكونَ هذه العادات هي الحاكم فينا.

أوضح ما في استقرار الإنسان يتمثل في جسده الذي تخشى كلُّ ذرةٍ وجُزيء فيه التغييرَ إلا بالترغيبِ والترهيب. فلو أراد شخصٌ منا أن يغير وزنه فلن يستطيع إلا أن يحتالَ في استغفالِ ثم إجبار الجسد على الاستجابة شيئاً فشيئا، ليتمكن من خلقِ منطقة استقرارٍ جديدة، وإلا عادَ الجسد سريعاً لما اعتادَ من وزن، يحمي نفسه بالممانعة والعناد من أي تغييرٍ في المستقبل.

جمال وراحة الاستقرار في العادات الراقية في الأفراد والمجتمعات التي يجب أن تكون صخرةً ثابتةً أمام مد التخريب، والنظام الذي فيه كثيرٌ من السلاسةِ والسلامة وشيء من الرتابة المتوقعة. أما محاولة تغيير الاستقرار فيجب أن يكون تفاعلاً منتجاً للطاقة والإبداع، هذه سنة الكون التي تتغير وتتبدل في حكمةِ الصانع التي فيها ثابتٌ في متغير ومتغيرٌ قي ثابت.

ما يبعث على الأسى أن الإنسانَ أورط نفسه وأقحمها في نقض الأساسات التي قام عليها بناءُ حياته وحضارته، وبذلك فقد الاستقرار الذي ينشده ويصبو إليه، فصار كمن يبحث عن نقطةِ البداية في حلقةٍ مستديرة! مجتمعاتٌ كان الاستقرار أس حياتها ورأس مالها لم تعد تملك ذلك الأس والامتياز، ولم تكن بعيدةً عن الغرابِ الذي حاول أن يقلد مشيةَ الحمامة ففشل، وبعدما اقتنع بفشله حاولَ أن يعود إلى مشيته الأصلية فلم يقدر لأنه نسيها!

كبرنا في متغيراتٍ لن نأسى إن تخلى أبناؤنا عنها متى ما كانت قيوداً تمنعهم من الرقي والانطلاق، لكن سوف نأسى إن نزعوا عنهم عقود الكرامة التي تزدان بها أجيادهم زمناً بعد زمن. متغيراتٌ كان القمر فيها رمزاً للجمال لا يرى جَماله إلا من يُحب، ولما تبع الإنسان ضوء القمر حتى وصل إليه ظنَّ أنه لم يرَ فيه إلا صخوراً وحجارة! أنا وأنت لا يعنينا روادُ الفضاءِ وحقائقهم، بل يفرحنا أن نأنسَ في ضوءِ القمر، وإن تأخرتَ عن الحضورِ فلستُ ألومنَّ إلا القمر!

مستشار أعلى هندسة بترول