آخر تحديث: 24 / 1 / 2020م - 7:06 م  بتوقيت مكة المكرمة

هل الفقر يولد عنفا أسريا؟

هناك استبيان «استطلاع رأي أردني» يشير إلى علاقة وثيقة بل ملازمة بين حالات الفقر المتقع والحرمان المادي من مستلزمات الحياة الضرورية وما بين حالات العنف الأسري بأدنى درجاته وهو اللفظي أو الأعلى وهو الضرب البدني، وما يهمنا هو بيان قناعتنا من القدرة على الفصل ما بين الفقر وموجات الغضب المتفجرة، بحيث يتمكن ذوو الدخل المنخفض أو المحدود من تحصيل الاستقرار الأسري، بل والتمكن من شق طريق النجاح والإنجاز في خضم الظروف الصعبة، من خلال فن التكيف وتقبل الوضع والقناعة بما يستحصله من قوت.

بلا شك أن الحرمان المادي يلقي بظلاله الثقيلة على الأسرة ويبقي أفرادها يعانون ضغوط المعيشة وعدم القدرة على توفير أبسط الاحتياجات، مما يجعلهم في حالة قلق واضطراب نفسي يؤثر على تعاملهم مع محيطهم الأسري والاجتماعي بما يحرمهم من الأريحية والبساطة والرفق في التعامل، إذ رؤيتهم الدونية لأنفسهم وقد وضع الفقر بونا شاسعا بينهم وبين أقرانهم في المدرسة فيرونهم يتمتعون باللباس والمسكن والبيئة التعليمية المناسبة، بينما هم محرومون من ذلك مما يولد عندهم حالة نقمة ومشاعر سلبية تجاه المجتمع وخصوصا إذا لم تكن هناك مظلة للتكاتف المجتمعي ومساعدات لرفع حالة العوز والحاجة عن الفقراء، وقد يتجه بعضهم لحالة الفوضى وتحصيل حاجاته بالقوة والعنف إذ يراها سببا للقوة والخوف منه، فالعصابات الإجرامية المنظمة وليدة بيوتات تعاني من الفقر كأحد مسبباتها.

وكذلك بالنسبة لرب الأسرة الذي يرى نفسه عاجزا عن توفير متطلبات أفراد أسرته، يولد عنده حالات انفعال شديد تظهر في حديثه الذي يستعر لأبسط الأسباب، وتنحسر منه مساحة الحنان والمشاعر العاطفية تجاههم ويستبدلها بالتجهم والغضب والصراخ، وهذا الاختلال الأسري بالتأكيد يرفد المجتمع بأفراد يريدون رفع المهانة التي يحسونها بسبب فقرهم، ولعل الأب يجد في العنف اللفظي والضرب وسيلة لإسكات أسرته من طلب المستلزمات، وإظهار نفسه بالشخص الذي يعاني الأمرين من أجلهم ولكن الظروف لا تعينه على توفير احتياجاتهم ولا يجد طريقة لتعويضهم عن الحرمان.

والفقر عامل قوي يهز العلاقة الزوجية حينما يمر الزوج بظروف مادية صعبة بسبب شراء سيارة أو مسكن، وفقدان الأمان الوظيفي والتهديد بالحرمان من مصدر رزقه في أي لحظة يؤثر على علاقته بزوجته، وخصوصا إذا تنمطت بطريقة ومستوى معين من المعيشة لا تقبل بأقل منه ولا تطيق حالة إمساك اليد والعيش بما هو متوفر عندهما، بل وقد تجد بعضهن الانسحاب من الحياة زوجية والعودة إلى بيت أبيها وسيلة للتخلص من شظف المعيشة.

الفقر ليس بعيب وإنما هو ابتلاء وقدر على الأسرة التعامل معه بنظرة واقعية بعيدا عن المقارنات وأماني المثالية الواهمة، فتقبل الإنسان لذاته ولقدراته يمثل بداية النجاح وطرف الخيط الذي يمسك به، إذ وجد الإنسان ليغالب ويواجه المصاعب والتحديات والظروف القاسية، وهذه المواجهة تخلق فيه الإرادة القوية وتنضج فكره وتنمي قدراته، وما عليه إلا الأخذ بالأسباب والاهتمام بمراحل دراسته والبحث المضني في سبيل تحصيل مصدر رزق حلال.

والتدبير المنزلي تعبير أفضل من شد الحزام، وذلك أنه يعبر عن ترتيب المصروفات بحسب ما يحصل عليه من مصدر مادي، بحيث يبدأ بالأولويات والصرف عليها بدلا من التشتت بين الكماليات والرفاهية الزائدة، فالفرص التعليمية والتدريبية لأبنائهما خير من الصرف الزائد على المطاعم وماركات الملابس.

ولن ينعم فقير ولا غني باستقرار أسري إذا لم يتحل بضبط النفس وهدوئها والتوازن الانفعالي، فضغوط الحياة لا تواجه بردات فعل غاضبة لا يجني منها سوى الأمراض وتعقيد الأمور وتضخيم المشاكل، فيمكن للوالد - وإن كان فقيرا - أن يوفر لأفراد أسرته الأمان النفسي والعاطفي وإحاطتهم بتسامحه وكلماته الرقيقة، ومساعدتهم على تجاوز مشاكلهم بالتفكير الواعي معهم، والتحاور بإبداء وجهات النظر مما يزرع فيهم الثقة بالنفس وذاك هو الغنى الحقيقي الذي يجنبهم اللجوء إلى استخدام لغة العنف في كلامهم وتعاملهم.