آخر تحديث: 10 / 8 / 2020م - 11:18 م  بتوقيت مكة المكرمة

الخصوصية.. المجتمع

محمد أحمد التاروتي *

الخصوصية تمثل خطا احمر ينبغي احترامه، وعدم اقتحامه مهما كانت الأسباب والمبررات، فالتدخل في البيت الخاص للفرد ينم عن إشكالية كبرى في السلوك الأخلاقي، لاسيما وان احترام الحدود الفاصلة يؤسس لعلاقة اجتماعية قائمة على الاحترام المتبادل، بالإضافة لكون الالتزام بالقواعد الأدبية يحض على الوقوف عند المناطق المحرمة للافراد، خصوصا وان التعدي على الخصوصية يولد الكثير من الصراعات على الاطار الاجتماعي.

عملية الاقتحام السافر للخصوصية لا تقتصر على التعدي الجسدي، بل تشمل مختلف أنواع التدخل غير المبرر في الشؤون الشخصية للاخرين، فهناك الكثير من الممارسات التي تندرج تحت ”يافطة“ الخصوصية، بحيث تبرز على شكل مواقف غير أخلاقية، وأحيانا غير منسجمة مع السلوك الإنساني، الامر الذي يتطلب إعادة ترتيب الأولويات بما يحقق الالتزام بالضوابط الأخلاقية الحاكمة على صعيد العلاقات الإنسانية، خصوصا وان ممارسة ”الفوقية“ الصادرة من فئات اجتماعية، تدفع لتجاوز جميع ”المحرمات“، وتعطيل الحدود الفاصلة في اطار العلاقات الاجتماعية، الامر الذي يترجم على شكل تجاوزات صاخرة، وأحيانا فجة في التعدي على الخصوصية.

مبررات اقتحام الخصوصية ليست منطقية في الغالب، فالمرء يمتلك الحق المطلق في وضع الضوابط الحاكمة في علاقاته الإنسانية والاجتماعية، وبالتالي فانه القادر على تحديد الخطوط الحمراء لضبط طبيعة ”المسموح“ و”المحرم“، مما يفرض احترام هذه الخطوط في جميع الأحوال، انطلاقا من حرية الانسان في تحديد الضوابط المؤسسة للخصوصية ة، سواء على الصعيد الخارجي او الداخلي، الامر الذي يضع الأمور في الاطار الصحيح، وضبط التصرفات غير السوية، لاسيما وان البعض لا يجد غضاضة في تجاوز مختلف أنواع الخطوط الحمراء، نظرا لانعدام الأطر الأخلاقية الحاكمة على ممارساته تجاه الاخرين.

مفهوم الخصوصية يتجاوز بعض التصورات البسيطة، فالعملية ليست مقرونة بممارسات محددة، وانما تتسع لتشمل العديد من التصرفات ذات الأثر السلبي على الاخرين، وبالتالي فان كل تصرف غير مسؤول ويتسم بالازعاج، يدخل ضمن التدخل في الخصوصية، بمعنى اخر، فان التحرك ضمن اطار ضيق لتحجيم الخصوصية يفقدها بعض المفاهيم الأخلاقية الحاكمة، في الضوابط المؤسسة لطبيعة العلاقات الإنسانية، لاسيما وان البعض يحاول الالتفاف على الخصوصية باستخدام بعض المفاهيم الخاطئة، او ابتكار مفاهيم خاصة لتبرير الاقتحام غير المبرر، فتارة من خلال ”الميانة“ و”رفع التكلفة“ بين الاحباب، وتارة أخرى باستخدام بالصداقة في التقليل من الاحترام، ونسف الالتزام بالضوابط الأخلاقية.

التحرك باتجاه وضع الضوابط الحاكمة، لتكريس الخصوصية في السلوك الاجتماعي، يساعد على احداث تحولات جذرية في تعميق العلاقات بالبيئة الاجتماعية، لاسيما وان تجاوز الخصوصية يحدث الكثير من الخلافات، نظرا لابتعاد المواقف تجاه الاحترام الشخصي للبيت الداخلي لكل فرد من الافراد، وبالتالي فان ضبط الأمور في الاطار السليم يؤسس للوئام والاحترام المتبادل، الامر الذي ينعكس إيجابيا على الحركة التفاعلية بين الشرائح الاجتماعية.

المجتمع يمثل حلقة أساسية في تحكيم الضوابط الأخلاقية في الممارسات اليومية، فالسكوت على التعدي على الخصوصية يفتح أبواب ”جهنم“ على الجميع، نظرا للتداعيات السلبية على النسيج الاجتماعي بشكل عام، وبالتالي فان الوقوف بحزم امام مختلف أنواع التجاوزات على المملكة الخاصة للفرد، يساعد في نشر القيم الأخلاقية في المجتمع، الامر الذي يساعد في احداث الوضع بضرورة الابتعاد عن المناطق المحرمة، وتجنب حقول الألغام التي تقود للانفجار الاجتماعي، لاسيما وان اقتحام الخصوصية لعبة خطرة على الجميع، بحيث لا تقتصر على شريحة دون أخرى في البيئة الاجتماعية.

وجود الوعي الاجتماعي عامل حاسم في ”لفظ“ جميع التصرفات غير المسؤولية، الصادرة من ”المتطفلين“ على الشؤون الخاصة بالمجتمع، مما يقود الى إعادة تلك التصرفات غير السوية الى الجادة الصائبة مجددا.

كاتب صحفي