آخر تحديث: 29 / 1 / 2020م - 1:28 ص  بتوقيت مكة المكرمة

فصوصُ لقمان

تذكر الكتب أنَّ رجلاً دعاه مولاهُ يوم كانَ عبداً فقال له: اذبح شاةً، فأتني بأطيب مضغتين منها، فذبح شاة، وأتاه بالقلبِ واللسان فتعجّب وسأله عن ذلك فقال: إنّ القلبَ واللسان إذا طهّرا فهما أطيب من كلِّ شيء، وإذا خبثا كانا أخبث من كلِّ شيء وبعد عدّة أيّام أمره أن يذبحَ شاة، ويأتيه بأخبث أعضائها، فذبح شاةً وأتاه بالقلبِ واللسان! كان ذلك الرجل لقمان الحكيم.

عندما يقرأ الناعي خبر موت أحدٍ ما يكون كلُّ شيء انتهى لمن مات إلا في أشياء قليلة، ربما كان المال منها، لكن بكل تأكيد منها من يبقى صالحاً بعده من ولده وإن استطاع أن يصلح أكثر من ولده فذلك أمرٌ سوف لن ينسى، وهذا ما فعله لقمان حين شارك في صناعةِ الإنسان، فخلد اسمهُ في التاريخ والقرآن للأبد!

صناعة البشر من أصعب الصناعات، لكن لقمان الحكيم أتقنها، فهل تظن أن وصايا في كلماتٍ صاففها لقمان لابنه كانت كافيةً أن تصنع منه نسخةً بشرية كما أرادها لقمان؟ بالطبع لا، فلقمان كان قولاً وفعلاً.   يذكر التاريخ أن لقمان ما أوتي الحكمةَ لحسبٍ ولا مال ولا بسط في جسمٍ ولا جمال، ولكنّه كان رجلاً قويّا في أمر الله، متورّعا في الله، ساكتاً سكينا عميق النظر، طويل التفكّر، حديد البصر.

لم ينم نهارا قطّ أي أوّله ولم يتكئ في مجلسٍ قطّ وهو عرف المتكبّرين ولم يتفل في مجلس قوم قطّ، ولم يعبث بشيء قطّ، ولم يره أحد من الناس على بول ولا غائط قطّ، ولا على اغتسال لشدّةِ تستّره وتحفّظه في أمره. ولم يمرَّ بين رجلين يقتتلان أو يختصمان إلّا أصلح بينهما، ولم يسمع قولاً استحسنه من أحدٍ قطّ إلّا سأله عن تفسيره وعمّن أخذه، وكان يكثر مجالسةَ الفقهاء والعلماء، ويتعلّم من العلوم ما يغلب به نفسه، ويجاهد به هواه، وكان لا يظغن إلّا.

تنوعت وتوزعت فصوصُ حكمة لقمان بين الدين والسلوك، فدعا ابنه للتوحيد والعبادة، وأيضاً دعاه ليكون إنساناً سويا في سلوكه الفردي والمجتمعي. كان لقمان صديقاً لابنه ورفيقاً له، فأين يجد الأبُ اليومَ ولداً يرغب في صحبةِ أبيه؟ وأين يجد الابنُ اليومَ والداً يقضي معه الساعات وتتكشف أقواله وأفعاله أمام ابنه ليكون مثالاً وقدوةً في الفعل والقول؟ كان لقمان كثيراً ما يبدأ أحاديثه بكلمة يا بني، وهذه بعض من تلك الأحاديث:

يا بني،: إنّ الدنيا بحرٌ عميق، وقد هلك فيها عالم كثير، فاجعل سفينتك فيها الإيمان بالله، واجعل شراعها التوكّل على الله، واجعل زادك فيها تقوى الله، فإن نجوت فبرحمة الله، وإن هلكت فبذنوبك.

وفي حوار آخر مع ابنه حول آداب السفر يقول:

يا بنيّ: سافر بسيفك وخفّك وعمامتك، وخبائك وسقائك، وخيوطك ومخرزك، وتزوّد معك من الأدوية ما تنتفع به أنت ومن معك، وكن لأصحابك موافقا إلّا في معصية الله عزوجل.

يا بنيّ: إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك وأمورهم.

وأكثر التبسّمَ في وجوههم.

وكن كريماً على زادك بينهم.

وإذا دعوك فأجبهم، وإذا استعانوا بك فأعنهم.

واستعمل طول الصمت، وكثرة الصلاة، وسخاء النفس بما معك من دابّةٍ أو ماءٍ أو زاد.

وإذا استشهدوك على الحقِّ فاشهد لهم.

واجهد رأيك إذا استشاروك، ثمّ لا تعزم حتّى تتثبّت وتنظر، ولا تجب في مشورة حتّى تقوم فيها وتقعد، وتنام وتأكل وتصلّي، وأنت مستعمل فكرتك وحكمتك في مشورته، فإنّ من لم يمحض النتيجة من استشارة سلبه الله رأيه.

وإذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم، فإذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم.

واسمع لمن هو أكبر منك سنّا.

وإذا أمروك بأمر، وسألوك شيئا فقل: نعم، ولا تقل: لا، فإنّ «لا» عي ولؤم.

يا بنيّ: إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخّرها لشيء، صلّها واسترح منها فإنّها دين.

وصلّ في جماعة ولو على رأس زجّ.
وإن استطعتَ أن لا تأكل طعاما حتّى تبتدئ فتتصدّق منه فافعل.
وعليك بقراءة كتاب الله.

مستشار أعلى هندسة بترول