آخر تحديث: 1 / 4 / 2020م - 10:14 ص  بتوقيت مكة المكرمة

حوار: الشيخ الأحمدي.. ثقافتنا الدينية ثقافة التقاطية

جهينة الإخبارية متابعة: سوزان الرمضان - فوزية زين الدين - إبراهيم الرمضان - انتصار الرشيد

انتقد الشيخ أحمد سلمان الأحمدي ما وصفه بالفهم الجامد للدين ”الذي يحصر العلاقة بالله في نواحي الصلاة والصوم والمحراب والإعتكاف“.

وقال ان هذا الفهم ابتلي به المسلمون منذ الدولة الأموية.

وقال إن الدين يبعث على الحركة والعلم والعمل ويغير الواقع وذلك على النقيض من الفهم الجامد.

وانتقد عدم مواكبة الخطاب المنبري في عصرنا الراهن للطرح الأكاديمي، قائلا ”لا يمكن لنا كأصحاب خطاب ديني أن نقدم شيء إذا كان ببننا بين وسائل التفكير الأكاديمي فجوة“.

وقال انه قُوبل بالرفض عندما انتقد في بعض محاضراته بعض روايات الوحي. وعن ردة فعله قال ”قلت لهم هذه ليست روايات أهل البيت“.

وأضاف ”مشكلتنا أن ثقافتنا الدينية ثقافة التقاطية مبنية على نتفٍ سمعت من هنا، وقرأت من هناك“.

”جهينة الاخبارية“ تعيد نشر الحوار الذي أجرته مجموعة ”آراء وأصداء“ الثقافية مع الشيخ الأحمدي، ونشر عبر وسائل التواصل الإجتماعي، فإلى نص الحوار:

ماهو دور العلوم الحديثة في نقد الدين، وإلغاء دور النقل التاريخي؟

لاشك أن التاريخ البشري الطويل فيه حلقات كثيرة ارتبطت بالأديان، بحيث لا تجد مكانا في الأرض إلا وفيه ذكر لدين من الأديان وتفصيل لهذا الدين، وكيف نشأ، وماذا حصل بين أتباعه، وما هي الأشياء المرتبطة بهذا الدين، والتاريخ تكفّل بنقل هذه الأمور.

لكن عندما نقول ”نقل تاريخي“ فالمراد هو النقل الشفوي الذي دُوّن فيما بعد.

العلوم الحديثة جاءت بوسائل إثباتية أخرى، ذكرت أن النقول التاريخية المدوّنة في الكتب لا يمكن التأكد من صحتها والقطعية بها، ولذلك بحثت عن سبل ووسائل أخرى لتقييم ما وصل في التاريخ. فلذلك نجد الآن أن وسائل إثبات التاريخ تعدّت مرحلة البحث في المصادر والكتب المختلفة إلى بحوث أخرى كالبحث في الآثار، أو المخطوطات، أو الجداريات، والأدوات المستعملة، وكلها أصبحت وسائل إثبات تاريخي.

ومن هنا نشأ أشبه بالجدلية بين وسيلة الإثبات التاريخي القديمة وهي الروايات الشفوية التي تناقلوها، وهذه الأدوات العملية الحديثة التي إما أن تثبت أو تنفي الروايات التاريخية، وهنا حصل اصطدام بين هذه الأدوات والدين.

والسبب في ذلك أن أصحاب هذا التوجه رفضوا أي طريق آخر للإثبات، أي قالوا ان هذه النقولات التاريخية الشفوية غير قابلة للتصديق لأنه لا يوجد دليل إثبات أو نفي فلا يمكن الإعتماد عليها، ويرون ان الروايات الدينية الموجودة نصوص نسلم بها ولكن لا يمكن الإعتماد عليها لإثبات الوقائع التاريخية، فأصبح لدينا روايتين للتاريخ دينية وعلمية، ولعل أفضل من جمع بين الإثنين فراس السواح في موسوعته ”الآثار الكاملة“ حيث كان يذكر المسألة التاريخية ما نقلته كتب التاريخ، والأديان، وما ثبت بالبحث الأركيولوجي، ثم يقارن بين الروايات الثلاث وبالفعل هذا الأمر خلق عدة إشكالات.

هناك قلة في المصادر التاريخية، والباحث حول الحقائق التاريخية لا يجد سوى موارد قليلة للوصول لنتيجة واضحة نحو أي جانب من الدين، فما هو تعليقكم على ذلك؟

المصادر التاريخية ليست قليلة، إنما اطلاعنا هو القليل والضيق والمحدود، المصادر التاريخية كثيرة جدا ولكن نحن من حصرنا إطلاعنا في المصادر التاريخية الشرق أوسطية، فحتى التاريخ الإسلامي إذا أردنا أن نقرأه نذهب مباشرة للطبري وابن الأثير وبن كثير وغيرهم من المؤرخين، في حين أن هناك مصادر أخرى كثيرة مثلا لدينا مؤرخين من المغرب العربي أرّخو للإسلام في المغرب العربي ونقلوا ما جرى في المشرق العربي، ولدينا مؤرخين من أقصى الشرق وتاريخ إسلامي كتبه غير المسلمين، مثلا محمد بن جرير الطبري عاصره رجل اسمه ميخائيل الكبير وهو مسيحي سرياني كتب تاريخ منطقة الشرق الأوسط بنظرة سريانية وغيرها من المصادر، المشكلة هو أننا حصرنا وحدّدنا المصادر التاريخية ببضعة كتب معروفة، وإلا فالتاريخ الإسلامي مصادره كثيرة جدا جدا والمطبوع والمنتشر أقل بكثير مما هو مدوّن واقعا.

هناك من يقول أن العلوم الحديثة والتجربية تؤسس لكل الأنظمة السياسية والأجتماعية والنفسية والأخلاقية، وبالتالي فإن الأنسان ليس بحاجة للدين، وإنما استخدمه لشعوره بالعجز أمام تغير أسرار الكون، فما هو ردكم على هذه الشبهة؟

هذا الكلام أولا يخالف الواقع وهو أن البشرية موجودة منذ آلاف السنين، وقضية الطفرة في العلوم الحديثة والتجريبية حدثت فقط منذ200 - 300 عام، فقبل هذا التاريخ كانت البشرية موجودة ولديها أنظمة سياسية ونفسية وأخلاقية ولم تكن مستندة للعلوم الحديثة، فمثلا الآن النظام الأمثل هو الديمقراطي وهو نظام يوناني موجود قبل العلوم الحديثة.

المنظومة الأخلاقية باعتراف مؤسسي الدولة الحديثة يقولون بأنها منظومة المسيح وأخلاقه ومستندها ديني، فإذن هذا الكلام لا واقع له، ومن الخطأ اختزال التاريخ البشري في 200 سنة، وحتى ما حصل خلالها من الثورة الفرنسية وما بعدها وليد تراكم تجارب البشر، وما وصل له البشر في السابق سواءً من الدين أو غيره، هذه الأمور يكذبها الواقع.

ثم من قال أن الأنظمة الحديثة أثبتت نجاحها وفاعليتها، يكفي الآن في ذروة التطور العلمي صارت الحربين العالميتين التي أبادت الملايين، أين الجانب الأخلاقي والإجتماعي وحقوق الإنسان؟

إلى الآن لاتزال حقوق الإنسان شعارات تطبق في بعض البقاع ولا تطبق في البعض الآخر. هذ الكلام مجرد من الواقع، ومن يقول غير هذا بعيد كل البعد عن العلوم والواقع البشري، وإلى الآن في يومنا هذا البحث العلمي والتجارب العلمية تقوم على المنطق الأرسطي أو من طوّر ما جاء به أرسطو.

هل هذا يعني أن العلوم الحديثة ليس لها القدرة المطلقة لتحقيق الحياة الكاملة للإنسان في كافة الجوانب؟

الدين والعلوم الحديثة يتكاملان، الدين يدفع نحو اكتشاف العالم ومعرفة أسرار الكون وتدبير الإنسان لأمره في هذا الكون فيدفعه نحو البحث والعلم والفحص، ومشتقات كلمة العلم في القرآن كثيرة جدا، فالله من أمرنا أن نسير في الأرض ونكتشف وننظر في السماوات والأرض والجبال والأشجار، هذا هو الدافع.

ودور العلم الحديث يأتي فيما بعد، ففي البداية ترسيخ الإيمان المسبق بالله لأن العلم الحديث نتيجته الحتمية اليقين التجريبي بالله كما قال ذلك احد العلماء، قال أن ”العلم مثل الكأس إذا شربت منه وجدت الإله في قاعه“ فهنا حالة تكامل يعيشها الدين والعلم التجريبي، نعم هناك أشياء خارجة عن العلم التجريبي، العلوم الإنسانية، القضايا الإنسانية، لاعلاقة لها بالعلم التجريبي فمن الخطأ اعتبار العلم التجريبي هو أساس كل شيء في هذا العالم.

هل نستطيع القول أن العلم والدين وجهين لعملة واحدة من معرفة الله والإيمان به وعبادته، وتطوير الإنسان في كافة المجالات، ليكون عقله ذو مستوى عالي من الفهم في مجال الدين وأركانه وعبادة الله والحياة في جوانبها المختلفة مما يجعله في حالة من التوازن في عمله ودوره في الحياة؟

نعم هذا إذا فهمنا الدين فهما حركيا، من أن الدين هو الأمر الذي يبعث على الحركة والعلم والعمل ويغير الواقع، ولدينا فهم آخر للدين وهو الفهم الجامد الذي يحصر العلاقة بالله في نواحي الصلاة والصوم والمحراب والإعتكاف وهو الفهم الذي ابتلي به المسلمون ولعل منشأه بني أمية إذا عدنا لتفاصيل هذه القضية التاريخية، ومن هنا بدأ المسلمون يبتلون بالجمود شيئا فشيئا إلى أن وصلنا إلى ماوصلنا إليه اليوم.

نعم هناك قراءة أخرى لبعض المستشرقين أوالغربيين الذين كتبوا فيما يتعلق بالشرق أن السبب في تخلّف المسلمين هو سيطرة الأشاعرة على الحالة العامة للإسلام، والسبب في ذلك أن الأشاعرة لا يقولون بالتحسين والتقبيح من جهة، ولا يقولون بأن الإنسان مختار، وتسبب ذلك في جمود الإنسان ”أنا ليس لي اختيار، ولا استطيع أن أدرك شيء إلا في حدود النص الديني“، فلذلك جعلوا الدين مجرد أمور مظهرية خارجية. قال هو مثّل: ”بخلاف المعتزلة الذين أعطوا مساحة أوسع للعقل بحيث اعتقدوا أن للعقل القدرة على التحسين والتقبيح واكتشاف الأسرار وأن الإنسان مختار وقادر على التغيير“، ولذلك في الفترات التي كان للمعتزلة له دور وثُنيت الوسادة لهم، تطورت الدولة الإسلامية، نعم نحن ملاحظتنا أن المعتزلة المراد منها العدلية - الأعم التي تشمل المعتزلة الفرقة المعروفة، والشيعة على اختلاف فرقها - وفعلا التاريخ يثبت هذا، الدول أوالفترات التي سيطرت فيها المعتزلة أو الشيعة فعلا حصلت طفرة علمية حقيقية عند المسلمين.

هل يمكن القول أن مصادر المعرفة تتمثل في الحس والعقل والوحي؟

نعم هذه المصادر الثلاثة مهمة وأي نقص أو إلغاء في أحدها يؤدي إلى مشكلة في الواقع الإنساني، البعض قدّم العقل أو أعطى له مساحة على حساب الحس، أو قدّم الحس على حساب العقل أو الوحي - وهذا من الخلل، والمفروض على الانسان أن يعمل في هذه الطرق الثلاثة، وكل طريق له مساحته التي يتحرك فيها.

ما مدى حاجة الناس لوجود النبي في حياتهم؟

إذا اردنا أن نعرّف النبوة بتعريف واضح بدون الدخول في التعقيدات المعروفة فنقول هي"نحو من الإرتباط الخاص بالله عز وجل، فالنبي هو الإنسان الذي يرتبط بالإله ارتباطا مباشرا وخاصا بحيث يصله التعليم بغير واسطة أحد من الناس، أما عن حاجة الناس للانبياء؟

فالقرآن صريح وواضح في هذه القضية وهو انه ليقوم الناس بالقسط، الانبياء جاءوا ليقيموا العدل والقسط بين الناس، هذا فيما يتعلق في العلاقة بين الانسان والانسان، وايضا جاءوا لترتيب العلاقة وتنظيمها بين الانسان وربه، ولا يظن أحد ان الامرين مختلفين، يعني ان قضية علاقة الانسان بالانسان تختلف عن علاقته بالله عز وجل، لا بل مترابطة ارتباطا وثيقا ويكفي في هذا ذكر مثالين، المثال الاول: اذا جئنا الى النظام السياسي بعد كل هذه التجربة البشرية الطويلة نجد مثل نعومي تشومسكي عندما يتحدث عن الانظمة التي صاغها العقل البشري يقول ”ان الواقع يثبت انها لم تقم العدل، وبالتالي يظهر ان عقولنا البشرية قاصرة على صياغة نظام عادل يضمن العدل للجميع“، وهذا الاعتراف هو عين ما نقوله نحن من ان البشر يحتاجون للانبياء لاقامة العدل.

المثال الثاني المنظومة الأخلاقية الآن، العلم الحديث اثبت ان جينات الإنسان أنانية، تدور حول المصلحة الشخصية للإنسان بتقريبٍ ذكروه في كتبهم ولعلنا لو رجعنا إلى كتاب ”الجين الأناني“ لريتشارد دوكينز نجد هذا الأمر، الكلام الذي نجده هنا هو ان هذه هي طبيعة الأنسان اذن هذا النظام الأخلاقي الموجود منذ بدء الخلقة من أين جاء، فلذلك كثير منهم أقرّ ان هذا النظام الأخلاقي نظام ديني رسخه الأنبياء منذ بدء البشرية، فالأنبياء نحتاجهم بقوه في تنظيم حياتنا، وعلاقاتنا سواءً مع الله عز وجل، او مع بقية البشر.

لماذا يوجد لدى بعض الشباب القارىء صورة مشوشة حول موضوع النبوة والنبي؟

لا يوجد سبب واحد حول قضية تشوش صورة النبوة عند الشباب، عندنا أسباب كثيرة، أولها ان الشباب متشبع بالثقافة الشعبية للنبوة ولم يتأسس تأسيسا صحيحا في معرفة قضية النبوة والأنبياء، وحين جاء ليقرأ فإنه قرأ الإشكالات حول النبوة، ولم يقرأ الكتب التي تبني العقيدة في النبوة.

ثانياً؛ نفس الشباب الذي يقرأ في النبوة، قد يقرأ في كتب قديمة من ألف سنة، أو مثلا ثمانمئة سنه، ولم يلتفت إلى المقاربات الحديثة حول مسألة النبوة، فكما لدينا إشكالات حديثة حول النبوة، لدينا أيضا مقاربات وقراءات حديثة لقضية النبوة، ولايطلّع عليها.

أيضاً عندنا في مسألة فهم النبوة مدارس كثيرة، فقد يرد إشكال على مدرسة ولا يرد على بقية المدارس، هذا الشخص الذي يقرأ يظن أن هذه المدرسة التي قرأ لها هي النبوة هي الفهم الصحيح لمسألة النبوة، فلذلك تتشوش الصورة، في حين ان مسألة النبوة مسألة واسعه جدا، وما كتب فيها كثير جدا والمقاربات فيها دقيقة وعميقة.

هل هناك أزمة ثقة بين الشباب والمتحدث باسم الدين عن النبوة؟

لا، القضية من عدة أطراف المشكلة الأولى عدم وجود مواكبة حقيقية من الخطاب المنبري أو على الأقل ضعف في المواكبة، لا زالت تطرح قضية النبوة بمقارباتها القديمة التي كانت قبل ألف سنة مثلا أو ثمانمئة سنة، والتي كانت موجهه إلى ما يناسب إشكالات ذلك الزمان وأطروحاته، هذه مشكلة موجودة بالفعل، لذلك مثلا من الذين انتبهوا لهذه المشكلة الشهيد مطهري والذي كتب في أصول الدين الخمسة اقرأ كتاب مطهري مثلا في بحث النبوة، واقرأ أي كتاب آخر تجد فارق كبير في طريقة الاستدلال، وعرض الأدلة، في لغة الكتاب، في نوع الإشكالات المثارة، فهذه عندنا مشكلة أولى.

المشكلة الثانية طغيان الثقافة الشعبية طغيان شديد في هده الجوانب، والتي قسم منها مأخوذ من التعليم المدرسي، اغلبنا تشبع بروايات السيرة التي تذكر في المدارس والتي تعلمها في المدارس وضخّت له ضخاً، فهذه مشكلة حقيقية موجودة وللأسف الآن تُبنى على هذه القضية البعض يذكرها على أنها مسلمات، انا في شهادة النبي ﷺ تعرضت لنقد بعض روايات الوحي، ولما نزلت من المنبر البعض اعترض قال ”ايش خليت“؟ قلت لهم هذه ليست روايات أهل البيت، هناك روايات للوحي أصح وأصرح ولا ترد عليها هذه الإشكالات هذه مشكله ثانية موجودة.

هل تعتقد بوجود تضارب في فكر الشباب وفهمهم السليم للنبوة، مع عدم البحث والسؤال لكشف الحقيقة؟

هذه المشكلة موجودة فقط في الأوساط العربية، أما الأوساط الفارسية فيها حراك كبير جدا، فعلى سبيل المثال لا الحصر لو ذكرنا الان من الاحياء المعاصرين الشيخ مصباح اليزدي حيث يقوم بدور كبير جدا في هذه القضايا، سواءا ككتابة أو تأليف أو كمحاضرات في الجامعات أو كمقالات ونشريات مختلفة وهو دور جميل جدا يقوم به، الوسط العربي يعاني من جمود في هذا الجانب ونتمنى ان تتحرك فيه المياه ويكون فيه انتاج حقيقي.

ماهو مفهوم الإنسان من خلال السيرة النبوية في جانب التسامح، والتعامل النبوي مع الإختلاف؟

بالعودة للسيرة النبوية الحقيقية أي بالقدر المتيقن من السيرة النبوية والتعاليم النبوية الصحيحة نجد أنه في بداية البعثة كان هناك ”خطاب إنساني“ نبوي واضح وصريح، ولعل هذا الخطاب هو أساس جمع الناس حول النبي ﷺ. النبي عندما حارب الظواهرالإجتماعية التي تمس الإنسان، كحربه مثلاً لقضية وأد البنات، لم يكن الكلام حول أن هذه البنت مسلمة أم لا، كان يعتبر أن هذا الأمر جريمة بحد ذاته، أو مثلاً عند تحدثه عن قضية الإستعباد وكيف يعاملون عبيدهم، أو عند حديثه عن المرأة وما يتعلق بها وظلمها في المجتمع الجاهلي، الخطاب النبوي هو خطاب إنساني بالدرجة الأولى، والتعاليم النبوية هي تعاليم إنسانية، نعم هذا في المقدار المتيقن من السيرة، هناك جزء من السيرة فيه ما يخالف هذا، وهو محل بحث ونقاش والظاهر أنه مما اختلقته الأقلام التي جاءت فيما بعد، ولكن لو نظرنا إلى الجو العام للسيرة، نجد أن النفس الإنساني حاضر بقوة.

ويكفينا في جانب التسامح أن ننظر في العهد المكي إلى الآيات القرآنية المكية، التي تعج بالتأصيل لقضية التسامح ﴿لكم دينكم ولي دين ﴿لا إكراه في الدين ﴿من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وأما في العهد المدني فأفضل ما يدل على التسامح هي وثيقة المدينة التيهي أول دستور كتب في الإسلام، طبعاً كلمة دستور ليست دقيقة لكن لنعبر عنها بنفس التعبير، هي وثيقة تعايش وتآلف وتسامح بين المختلفين، وأتمنى من كل إنسان يريد القراءة في سيرة النبي ﷺ أن يطلع عليها، التي اعتبرت اليهود أمة مع أمة الإسلام، اعتبرهم جزء من هذه الأمة، الذي يعتبر اليهود لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، فعلاً هذه الوثيقة تبين لنا الإسلام الحقيقي الناصع النقي.

لماذا يكون هناك فجوة بين تدين البعض وأخلاقه وإخفاقه في التسامح مع المختلف عنه فكرياً أو دينياً؟

أولاً لابد أن نطرح هذا السؤال، هل هذه الفجوة عالمية أم محلية فقط؟ يعني لو لاحظنا الآن في الوسط الشيعي مثلاً، نجد بعض المناطق أكثر تسامح من مناطق أخرى، فلو أخذت مثلاً شيعي من السعودية وشيعي من العراق وشيعي من لبنان وشيعي من إيران لوجدت أن هناك فارق في درجة التسامح، هذه المسألة مرتبطة بالوضع العام ”الوضع الاجتماعي“ وليست مرتبطة بالدين، بعض الأحيان الإنسان هو المتطرف، حتى لو شجع فريق كرة قدم سيتطرف لذلك تشاهد في الخليج مثلاً تحصل حتى جرائم قتل بسببها، المشكلة هنا أنها قضايا اجتماعية بالدرجة الأولى وسلوكيات نفسية طُبّقت على الدين، فالمشكلة ليست في الدين أو في التدين، المشكلة في التركيبة السيكلوجية للإنسان، لماذا مثلاً اللبناني متسامح مهما كان دينه أو طائفته بخلاف بعض الدول الأخرى متطرف مهما كان دينه أو مذهبه، هذه قضية عقل جمعي، وأرى أن معالجتها اجتماعية نفسية بالدرجة الأولى وليست قضية دينية، والآن لو نقارن بين السنة، نجد أن هناك فرق بين السني السعودي والسني المصري والسني المغربي، لماذا؟ السني هو السني ديناً، هنا تأتي القضية الإجتماعية والسيكلوجية والإجتماعية.

وما هو العلاج لنشر فلسفة التسامح الكاملة عند الناس؟

القضية ليست قضية فكرية، ولا قضية علمية، هي قضية ”نفسية“ لابد من تهذيب نفس الناس، وهذا ما أشار إليه القرآن في أكثر من آية، قدم التزكية على التعليم ﴿ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، المطلوب تزكية الناس وتهذيبهم وتعليمهم فضائل الأخلاق، هذه هي المرحلة المفقودة في مجتمعنا، نحن نعطي على الدين مجموعة تعليمات، ولكن لا نعمل على قضية التزكية والتحلية والتأديب، هذا هو الدين الذي ينعكس على أرواح الناس وقلوبهم وأنفسهم، للأسف هناك نقطة فراغ كبيرة في خطابنا الديني.

نعم الركيزة الأولى في التدين هو طهارة النفس والباطن وصفاء القلب ونقاء الروح، هذا هو أصل الدين وأصل التدين، ومنشأ الإرتباط بالله والنبي ﷺ، ولذلك العلاقة مبنية على أمر طاهر وهي المحبة، علاقتنا بالله حب ﴿قل إن كنتم تحبون الله علاقتنا بالنبي صحب، علاقتنا بأهل البيت ع حب ومودة ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى من هنا بدأ النبي في تزكية الناس وتطهيرهم لأنه لايمكن أن يزرع تدين في أرض قاحلة جرداء أو أرض ملوثة أو أرض مريضة، وهذه المشكلة التي تجعل منا نتحدث عن التسامح ولكننا لا نطبقه على أرض الواقع، لأنه لدينا مشكلة داخلية ونفسية روحية قلبية.

مداخلات الأعضاء:

هل بمقدور خطاب المنبر الديني مواجهة هذه المتغيرات والاغراءات ويكون في منافسة مع ما يستورده الوسيط الرقمي بشكل جاذب صوت وصورة وبأساليب تجذب الشباب، نحن في تحدي دائم وأكبر من امكانيات خطاب المنبر بهذا العصر المخطط له والممنهج لتغيير أهداف يريدها من ابتكرها؟

هنا سنعود إلى مناقشة قضية المواكبة، والمواكبة لها شقين قد تكون في أصل تأسيس طالب العلم، وقد تكون في الخطاب الذي يقدمه طالب العلم، فمثلا في جانب التأسيس في السابق كان يكفي أي طالب علم الوصول إلى عمر عشر سنوات أن يدخل الحوزة عادي جدا ويبدع وهذا حصل، لكن الآن لا، لذلك الشهيد المطهري قبل 40 عام دعا إلى أن يكون طالب العلم أكاديميا وأن يتعامل بطرق التفكير الأكاديمي، وأدوات الجامعة لكي يستطيع أن يقدم شيء.

وأنا سمعت ذلك من بعض مراجع النجف أن من يستشير في دخول الحوزة يطلبون منه أن يدخل الجامعة قبل كل شيء، وأن يتحصل على شهادة جامعية لا تقل عن الماجستير ثم يأتي للحوزة، هنا لا يمكن نحن كأصحاب خطاب ديني أن نقدم شيء إذا كان عندنا بينونة وبعدوفجوة عن الأكاديمية ووسائل التفكير الأكاديمي، أيضا في جانب الخطاب، الوضع يكون أوضح، كل عصر له لفتة خاصة ووسائله الخطابية الخاصة هذه المسألة لعلها من أوضح الواضحات.

ذكرتم شيخنا ان هناك إشكالية في معرفة الشباب حول موضوع النبوة والتي مصدرها المدارس العامة والتي تختلف عما هو موجود عند آل البيت، فما هو الحل المناسب حيث أن هذه المشكلة امتدت إلى أمور كثيرة بسبب السوشيال ميديا فنلاحظ الكثير من الأمور التي لا تتعارض مع منهج آل البيت يتم التعامل معها على أنها مسلمات ويُبنى عليها الكثير من الجدل؟

الحل كما ذكرته ودائما ما أذكره وهو أننا نحتاج إلى تعليم ديني خاص بنا، يعني كما هو معمول في أوروبا، الشاب أو الطفل يدرس الصباح في المدارس العامة، وفي الليل أو العصر يدرس ساعة أو ساعتين في مدرسة دينية، أشبه ما يكون بالتعليم الموازي.

القضايا الدينية لا سيما في هذا العصر لا بد أن تكون مؤسسة تأسيسا صحيحا مرحليا تراكميا، بحيث تكون قوية، نحن مشكلتنا أن ثقافتنا الدينية ثقافة التقاطية مبنية على نتفٍ سمعت من هنا، وقرأت من هناك، ووصلت في رسالة من هناك.

إذا كان الخطاب الانساني هو خطاب الانبياء ما المانع ان يستمر بأنبياء دون رسالة، بل قد تكون نبوة عرفان كما هي عند البوذية وغيرهم فهل يصح ان نقول ان النبوة التشريعية توقفت، اما النبوة العرفانية الانسانية مستمرة وهي ما نجدها لدى المصلحين ومن نسميهم بالانسان الكامل او الابدال او الكمل؟

نعم، أنا أشرت إلى أن هناك مدارس في تفسير النبوة والأنبياء، وهذه المدارس ضروري أن يطلع عليها الإنسان ويفهمها طبقالبعض المدارس، نعم كل مصلح هو نبي بهذا المعنى، لذلك حتى في أمريكا الآباء المؤسسون يطلقون عليهم أنبياء، نعم نحن اصطلحنا على النبوة في هذه القضية على أنها التي تستتبع تشريعا أو دينا جديدا أو شريعةً أو كتاباً في حين أنه كثير من علمائنا ما يتبنى هذه القراءة أن هناك مرتبة أدنى من النبوة، لكن هي تماثل النبوة في عدة جوانب والتي هي القراءة العرفانية كما أشرتم، وهناك أكثر من قراءة، المتكلمين لهم قراءة، والمتحدثين لهم قراءة، والفلاسفة لهم قراءة، والعرفانيين لهم قراءة، لدينا أكثر من قراءة، ومهم جدا أن يطّلع الإنسان على هذه القراءات المختلفة.

كيف نفهم وضع المنافق في أيام الرسالة المحمدية، الا تعد حرب اقصائية تجاه المنافقين ومايترتب عليهم من احكام ومايترتب عن مقاطعتهم، وللأسف التطبيق الحالي عليهم فتجد انه في أي اختلاف يطلق على مجموعة او طائفة انهم منافقين، ألم يجعل مصطلح منافق شق داخل صفوف المسلمين؟

تعامل النبي صلى الله عليه واله مع المنافقين هو ملف من ملفات التسامح، النبي كان يعرف أن مجموعة من الناس أنهم كفارا ولا يؤمنون لابالله ولابه ولا بشيء، ولكن كان يسمح لهم بالصلاة معه ويخرجون معه في الجهاد ويجلسون معه ويعيشون كما يعيش أفضل مؤمن ومسلم بين الناس، ولم يعاقب أحدا منهم إلا إذا صدر منه ما يمس الأمن العام أو التوجه العام للدولة الإسلامية، نعم هل كان النبي ﷺ يطلق على أشخاص محددين أنهم منافقين؟ لا، كان يعطي العنوان العام، ويعطي صفاتهم، ثم لا يسمي هذا منافقلكي يجعل لهم خط عودة، لأنه إذا وضح ان فلان باسمه منافق لم نترك له مجال للتوبة والرجوع.

المشكلة إننا نريد من الحوزة ان تعطينا كل شيء، هذه هي المشكلة الأساسية، نحتاج ان نقدم مشروع واضح يبين ما للحوزة وما عليهاورجل الدين ماله وما عليه. نحن رجل الدين ندخله في كل شيء، ثم نقول إن رجل الدين يتدخل في كل شيء، من المهم جدا مثل الان في الحكومات والشركات معروف كل طرف ماهي صلاحياته، من المهم جدا أن رسم الخطوط والحدود لكل شخص او جهة في المجتمع، نحن هذه الخطوط غير مرسومة لدينا فعندنا تصور ان رجل الدين يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، والبعض يرى أن دور رجل الدين هو المحراب فقط، فتبدأ عملية الاصطدام في حين انه من البداية يجب أن تحدد صلاحيات كل طرف.

ما هو نقدكم على التجربة النبوية لسروش؟

التجربة النبوية لعبدالكريم سروش هي بالاساس تطبيق لنظريته في القبض والبسط، فهي ثمرة من ثمرات هذه النظرية فالاولى أن نناقشه في القبض والبسط، ثم نأتي لمناقشته فيما يتعلق بتطبيقه لهذه النظرية على موضوع النبوة، وهذه النظرية نظريته في النبوة قد كتب فيها كثير من الأعلام مناقشات لأصل النظرية، أو ما استدل به في جزئيات هذه النظرية اوغيرها، ولعل من الأفضل أن يفرد بحث كامل لهذه النظرية لطول الكلام فيها.

كيف يرى الشيخ مستقبل المنطقة من الناحية الثقافية والدينية؟

بالنسبة للمنطقة بشهادة كل من زارها من الخارج يرى أن قابلية الشباب والناس عالية جدا وحتى في المستوى الثقافي مرتفعة جدا مقارنة بالمجتمعات الأخرى، وهذا طبعا له أسبابه، وقابلية الرقي بالمجتمع موجودة وسهلة، المشكلة فقط في عدم وجود مشاريع ثقافية ودينية حقيقية، اذا اردنا ان نعبر بتعبير صريح وواضح ”كل شيء ماشي بالبركة“، وهذا خطير أمام وجود مشاريع أخرى موازية منظمة وقوية جدا وتستخدم آليات ممكن إلى عشرين سنة لن نستطيع أن نأتي بمثلها، لذلك واقعا نحن في مفترق طرق هذا ما استطيع قوله.

ذكرتم حلا لمعالجة الفجوة الفكرية في الشباب انه بسبب تعليم المدارس، واقترحت التعليم الموازي فهل تجد ان امكانيات التعليم للموازي في الحوزات او المساجد او الحسينيات يستطيع مواكبة الانفجار الثقافي متعدد المصادر في ركن منزل لا يتحرك منه الشخص، فهل هناك مقترحا وتجربة نستطيع مواكبتها او مسايرتها وفق مجتمعنا؟

هذه القضية، قضية التعليم الموازي هي الأساس الذي يبنى عليه كل نشاط فيما بعد، في البداية نبدأ بالتعليم الموازي الذي يؤسس عليه الطالب، ولا ننفى ان هذا غير كافي لكن لابد أن تكون هذه البداية، اي جهود بدون تأسيس صحيح ستؤدي إلى مشكله، وفصّلت هذه المسألة في الليلة التاسعة من محرم بعنوان قواعد السلامة الفكرية.

كيف استطعت الوصول الى الشباب والاقتراب من تفكيرهم في ظل اصبحت العمامة ورجل الدين بالنسبة للشباب اما مصدر خوف واختباء، او منطقة مواجهة وتحدي، لو تفضلتم بذكر موقف نستفيد من مسيرتكم؟

هناك شيء في حياتي البعض يراه ايجابي والبعض يراه سلبي، قد اكون حققت مكتسبات من هذا الشيء عند البعض، وقد اكون سقطت من اعين البعض بسببه، وهي محاولتي ان اعيش مع الشباب كما يعيشون، احاول قدر الامكان ان اعيش حياتهم لكي افهمها جيدا، فلذلك انا في حياتي اليومية لا التزم بكثير من البروتوكولات التي يلتزم بها رجال الدين سواء في المنطقة او خارجها، يعني تجاوزت كثيرا من هذه البروتوكولات، وفعلا عانيت الكثير لكن بحسب تشخيصي ارى انه الحل الامثل للشباب وفهمهم، وهذه نقطة مهمة قد نسعى لحل المشكلة، لكننا لا لم نفهم المشكلة.

ماهي نصيحتكم لأصحاب الهم في معالجة المتناقضات وتزلزل القيم، وبالأخص المتبنين لمنحنى المثقف وليس رجل الدين حتى يكون قريب للشباب؟

لا بد لنا من مشروع مدروس ومخطط وواضح جدا، لتأسيس البناء القيمي لمجتمعنا، والحفاظ على قيمه، اما هذا العمل الفوضوي الذي نراه فلا فائدة منه، ان لم يكن عندنا مشروع واضح يتكاتف فيه الجميع، ويضعون فيه اليد باليد، وقبل هذا الجميع يحمل هذا الهم، لان كثير من أصحاب القرار وأصحاب الوجاهة والمنصب اصلا لا يحملون هذا الهم للأسف الشديد.

الا ترون معي ان جوابكم هنا عام ولا يحل المشكلة؟ فمثلا: ما هو المشروع الذي تقترحونه، وما هي اهم آليات العمل فيه من اجل إنجاحه؟

المشروع الذي أتحدث عنه هو مشروع اجتماعي وليس مشروع فردي، فلا يمكن أن يكون الحل في يد شخص، سواء كان رجل دين او مثقف عنده عصا سحرية لحل كل هذه المشاكل، لا بد أن يكون هناك مشروع ناشىء أولا احساس جمعي بخطورة المرحلة وبخطورة المتغيرات الموجودة فيها.

وثانيا تصدي أصحاب الكفاءات والطاقات لتجهيز هذا الموضوع وتقديم مشروع كامل يمكن ان يعدل المسار، ويؤسس ويبين لطريق جديد، لذلك لا يمكن أن أقدم هذا المشروع ولا جنابكم ولا ثالث ولا رابع مثل هذه الأمور التي تمس المجتمع عامة لابد أن تكون القرارات جمعية، أقلها النخبة تكون مجمعة على هذا الشيء، لأن القضية قضية رأي عام وليست قضية فردية. طبعا قد يكون لكل شخص مشروعه الشخصي، وقد يكون المشروع الشخصي ناجح ومؤثر لكن تأثيره على نطاق ضيق لذلك لن يغير المجتمع، لكن سيغير أفراد، حديثنا عن مشروع يغير مجتمع بالكامل ويحصّن المجتمع.

بخصوص التنشئة والدين وما يشاع عن التطرف وعلاقته بالتدين، نلاحظ اليوم إبعاد مواضيع معينة في المؤسسات التعليمية الدنيا فيما يتعلق بالمادة الدينية، لدرجة عدم اصدار مطابع رسمية، في مقابل الاعتماد على دروس التربية الاسرية، على اعتبار يكون التخصص فيالامور الدينية انطلاقا من المرحلة الجامعية، ما رأيكم في هذا التوجه الرسمي، وما مدى تأثيره على النشء، وعلاقته بالدين؟

في المغرب العربي أو في الشمال الافريقي التفتوا مبكرا إلى خطورة ان تدرس قراءة واحدة للدين، خصوصا مع وجود مجتمع غير متجانس، يعني مثلا في الشمال الأفريقي هناك سنة سلفية إباضية شيعة، وتدريس المجتمع قراءة واحدة هي مشكلة ستدخله في دوامة التطرف، خصوصا ان الدولة هي من تقوم بالتدريس، والمفروض انها على مسافة واحدة من الجميع.

الخيار الثاني ان تدرس كل القراءات كما حصل في بعض المواد التعليمية في تونس، وهذا ايضا امر صعب جدا لان المساحة المعطاة للتربية الدينية في المدارس صغيرة جدا تقريبا بمعدل ساعة او ساعتين في الاسبوع، او بالدقة هي ساعة ونصف اسبوعيا، لأن هناك ساعة نصف شهرية، فلذلك هم رأوا أن من الأفضل إلغاء التدريس الديني في الصفوف الدنيا، والاكتفاء بالقرآن والأخلاق وبعض الأحاديث بهذه المشكلة، وهو كتوجه دولة يعتبر جيد سيمنع أشياء كثيرة، وسيبعد المجتمع عن دوامة التطرف والتكفير والاختلاف، نعم دور كل فئة وطائفة ان تدرس اتباعها وهو عين ما دعوت له.

يلاحظ عليكم الاهتمام بالرد على شبهات او انتقادات الدين التي تولدت عن العلوم الحديثة، فما هي أهمية هذا الحقل لعامة المجتمع؟

المجتمع الآن أصبح متعلم ونسبة الأكاديميين فيه عالية جدا، ولعل غالبية المجتمع الآن وبالأخص طبقة الكهول والشباب أغلبهم درس في الجامعة أكاديميا فلذلك الشبهات قريبة جدا منهم، وهم يلامسونها يوميا، وبحكم جلستي المطولة مع الشباب في نفس الدراسة تحصل لهم هذه الإشكالات، قد يدرس في اي مادة من العلوم المختلفة ويتبادر إلى ذهنه هذا الإشكال، او ذاك فالجواب على هذه الإشكالات لدفعها قبل ان تستحكم في اذهان شبابنا او أبنائنا.

هل بإمكانك تسليط الضوء على كتابك ”وهم القراءة المنسية“ من ناحية منهجيته، والأسس التي قامت عليها أدلة النفي؟

هو في حقيقة الأمر مناقشة ومحاكمة لمقالات القراءة المنسية لمحسن كاديور، وقد اعتمدت على تفنيد أدلته لا تأسيسها، لأن القراءة السائدة هي الأصل، والقراءة المنسية التي جاء بها ويريد ان يثبت انها هي الأصل، فنفي اصالة تلك القراءة، يعطينا بالضرورة اصالة القراءةالاخرى هذا من جهة، ومن جهة أخرى اقمت الادلة على ان القراءة السائدة الان كانت موجودة وحاضرة منذ ايام المعصومين ، ولعلها بشارة للاخوة محسن كاديور علّق على كتابي، وفي الطبعة الثانية من كتابي سأناقش التعليقات التي اوردها.

هناك مقولة لملا صدرا في كتابه ”مفاتيح الغيب“، وقد ذكرها سروش في كتابه بسط التجربة النبوية ”ان لله عباداً ليسوا بأنبياء تغبطهم النبوة“، ما رأيكم بها، وما تفسيركم لها؟!

لا يوجد مانع من وجود أناس في أقوام أخرى أفضل من أنبياء متقدمين، هناك أكثر من رواية ودليل يدل على هذا المعنى، نعم سوبوس اخذها على اطلاقها وبنى عليها، وهو الذي لابد أن نناقشه في منهجه، قبل ان نناقشه في أدلته، كما ناقشت أنا محسن كاديوه، وكان خلافي معه منهجي بالدرجة الأولى.

اذا كانت الأخلاق هي الركيزة في تقييم شخصية الأنسان فما هو دورنا مع أخلاق النبي محمد صل الله عليه واله وسلم، وكيف نترجمها في نظام حياتنا؟

أخلاق النبي ص هي جوهر الدين وأساسه، وهي التي مُدح فيها النبي ﷺ في قوله تعالى ﴿وانك لعلى خلق عظيم، والدين او التدين الحقيقي يبدأ بالتخلق بهذا الخلق، فاتخاذ النبي ﷺ قدوة وأسوة والامر باتباعه بالدرجة الاولى قد نظر الى هذا الجانب، جانب المعاملات والاخلاق، نعم نحن نحتاج في مجتمعنا الى احياء هذا البعد الاخلاقي في الدين، وللاسف اصبح هو اضعف الابعاد في مقابل البعد العقدي والفقهي، لذا لابد لنا من التركيز عليه وتقويته واحيائه بالفعل، لاننا لانشكو من غياب الأخلاق النبوية في الجانب التطبيقي، بل نشكو من عدم قبول المجتمع لها، فالان الحلم في نظر الناس صار ضعف وجبن، والكرم النبوي سفاهة وتبذير، والايثار جنون، وهكذا نحن فعلا نعيش مفارقة اخلاقية خطيرة جدا.

ما هو برأيك سبب تلك المفارقة الأخلاقية الخطيرة، هل يرجع للفهم القاصر للدين ام ان هناك سبب أخر؟

السبب في ذلك هو عدم توازن الخطاب الديني حيث نشهد تخمة في بعض مفاصله، وضعف شديد في بعض المفاصل الأخرى.

كيف نفسر القيم الأخلاقية ويقابلها اللعن للمبتدعة، ولأصحاب الضلال وأيضا للمخالف من المذهب وجواز الغيبة وجواز اخذ المال من الكافر بعنوان الاستنقاذ وان عورة الكافر غير محترمة يعيش الفرد المسلم عدة آراء في الاسلام تارة اسلام يومن بالحب للجميع، وتارة اسلام يدعوك لموالاة المسلم المماثل لك، وتارة لمن هو اخ لك في المذهب فقط وفقط، والبقية من البشرية ماهم الا نسناس كما في الحديث نحن الناس وشيعتنا اشباه الناس والباقي نسناس؟

لابد ان نميز بين قطعيات الدين والاجتهادات الدينية ونظريات الدين، الامور الاخلاقية القيم الاخلاقية التي تحدثنا عنها هي قطعيات دينية ومن القضايا التي تُعلَم بالضرورة، اما المسائل التي ذكرتموها فهي اجتهادية، قد نتفق فيها وقد نختلف، لذلك حتى هذه المسائل بين المراجع محل اختلاف كبير جدا، فلا يمكن اعتبارها هي الدين والمذهب.

كيف يتعامل الشيخ مع بعض التيارات المتصارعة في الوسط الشيعي نتيجة الاختلاف المنهجي او الاجتهادي، او الاختلاف في النتائج التاريخية او الدينية، او الاختلاف في التشخيص بين المراجع والتيارات التابعة لها، وبالاخص الاختلاف بين المرجعيات، وهل الاختلاف بين المراجع سبب في الاختلاف الكبير في الشارع الشيعي وتكون تيارات متضادة متصارعة احيانا، وهل للسياسة اسباب في ذلك ايضا؟

بعد التجربة لعلها تكون طويلة في هذا المجال، الذي أراه الأولى تجنيب مجتمعنا اي نحو من هذه الاختلافات، فقد لاحظنا اغلب الصراعات الموجودة في مجتمعنا هي مستوردة، يكون خلاف في العراق او ايران نستورد هذا الخلاف يطرح في المجتمع ثم تحتد القضية ويحل الشقاق، الافضل تجنيب المجتمع ذلك، ولاندخله في هذا الجانب والا هذه الامور ذاق المجتمع من ويلاتها الكثير، ولله الحمد قطعيات الدين وضرورياته لم نختلف فيها، عادة الاختلاف يكون في بعض التفاصيل ولايضر فيها الاختلاف، وحتى وان ضر الاختلاف فهو ضرر شخصي على الشخص لا الدين او سقوطه، وسقوط المذهب وغيرها من هذه الأمور.

هل هناك تآكل لطبقة رجال الدين في مجتمعنا الصغير والكبير بسبب ارتفاع صوت النقاد من داخل وخارج الطبقة؟

ليس هناك تآكل لطبقة رجال الدين، بل لمن تزيّ بزيهم وهو في الواقع ليس كذلك، هذه الطبقة تتآكل وأرى أنه ايجابي جدا.

قد يقول لكم قائل بأن عدم وجود المانع لا يعني بالضرورة تحقق هذا الامر، واما الروايات فليست ادلة واضحة للاختلاف في فهمهاوتفسيرها، فمثلا حديث: ”علماء أمتي افضل من انبياء بني اسرائيل“ ربما قيل ان المراد بالعلماء هم المعصومون من آل النبي صل الله عليه وآله، فما تعليقكم بارك الله في عطائكم؟

”اولا حديث علماء أمتي افضل من انبياء بني اسرائيل“ ليس بحديث، وليس له وجود اصلا، لكن تواجد روايات اخرى تتحدث عن اقوامافضل من الانبياء يكونون في اخر الزمان، وهذه الروايات بعضها موجود لدينا، وبعضها لدى العامة، فبهذا اللفظ مثل ”يغبطهم الانبياء“ غبطة الانبياء يقيناً ستكون عن مرتبة اعلى من مرتبتهم، لا مرتبة اقل، والا كيف يغبط الاعلى الادنى على مرتبته، فلا، الكلام مجموع الروايات قد يفضي الى هذه النتيجة، وهو وجود اناس في زمن متاخر، افضل من انبياء في زمن متقدم.

هل هذا يعني أن الهجوم على الشخصيات الدينية التي نشهدها هذه الأيام هو في الغالب مصيبة أو خطأ؟

انا ضد الهجوم على الشخصيات، نعم مع مناقشة الأفكار وضربها لامانع من ذلك يبقى النقاش فكري، اما ضرب الشخصيات والتدخل في خصوصياتهم والسعي لتسقيطهم انا ضده، لذلك اذا كانت هذه الهجمات موجهة للذوات فانا ضدها، اما اذا كانت للافكار انا معها لا مانع، بالعكس هذا الحراك نحتاجه كثيرا.

البعض يرى ان رداء القداسة من اهم عوامل التخلف والرجعية، ويطالب برفع القداسة عن كل شي بما في ذلك القرآن والنبي والنبوة بحجة انه لا شيء فوق النقد، وان الفكر الحر لا يتماشى مع القداسة لهذا الامر او ذاك، ما رأي سماحتكم في مثل هذا الطرح؟

لا يوجد شخص او جماعة او ايديولوجيا لا توجد عندها مقدسات، الجميع عنده مقدسات، والجميع يقدس اما أفكار او اشخاص، نعم الآنهم لديهم مشكلة مع المقدس الديني، هذه هي المشكلة الحقيقية، وإلا لا يوجد أحد لا توجد لديه مقدسات.