آخر تحديث: 3 / 3 / 2021م - 1:14 ص

الامام الحسن.. مظلوم في كل العصور

سلمان محمد العيد

حين يعد العظماء في التاريخ، لا بد وأن يكون الإمام الحسن بن علي ، أحدهم، بل في مقدمتهم..

وإذا أردنا أن نرى شخصا عاش مظلوما، ومات مسموما، وظل مهظوما، فلن تجد نموذجا أدق من الإمام الحسن المجتبي .

ولن تجد شخصا ظلمه الأقربون، قبل الأباعد، ونال منه الأعداء وهو ساجد، وتعرّض الى التشويه بعد قرون من التحاقه بالرفيق الأعلى كالذي جرى مع الإمام الحسن .

في المقابل، هذا الرجل العظيم، شبيه رسول الله وريحانته، رضيع العصمة، وأبو الائمة «نعم إن ائمة اهل البيت اولاد الحسن والحسين معا»، اعتقد ـ جازما ـ انه من أعظم الشخصيات التاريخية البارعة في المجال السياسي، ذات القدرة على التعاطي مع الحدث دون التخلي عن المباديء، رغم قسوة الظروف ومعاندتها، اقولها ــ بدون تحيّز ـ انه لم يكن جبانا، ولم يكن ضعيفا، ولم يكن مهادنا، إنما كان مظلوما في حياته، وبعد مماته، وحتى بعد مواراته الثرى. بل يمكننا القول أنه مظلوم كل العصور.

فهذا الإمام العظيم، الذي هو أول مولود للإمام علي من سيدة النساء، وهو رابع أصحاب الكساء، وهو أحد الأفراد الذين شملتهم آية المباهلة، وممن شملته آيات «التطهير، والقربى، الإيمان، وعباد الرحمن»، وهو سيد شباب الجنة، وكريم أهل البيت.. هو الذي قاسى كل المرارات التي مرت على الأمة بعد وفاة رسول الله ﷺ، وعاصر كل الظروف التي مرت على والده علي بن ابي طالب ، وهو الشجاع البطل الذي خاض مع أبيه حروباً ضد الناكثين والقاسطين والمارقين

***

* لقد تعرض في حياته الى ظروف قاسية جدا، باعثة على الإحباط، ولو جرت لأحدنا ربما كفر، أو فرّ، أو انتحر، فالتاريخ يحكي أنه ـ بعد استشهاد والده ــ تعرّض لعدة محاولات لتصفيته جسديا، بعد أن ترك النزاع على السلطة، وتنازل «مجبرا» عن دوره في قيادة الأمة من البوابة السياسية المباشرة، وآل الحكم والخلافة والسلطة والثروات لأعدى أعدائه معاوية بن أبي سفيان، ومع ذلك جرت المحاولات للقضاء عليه، وإبعاده عن الوجود، فالسلطات ــ وهي المتهم الأول في هذه الاغتيالات ـ لم تطمئن على حكمها في ظل وجود هذا الشخص فلا بد من إبعاده، حتى لو لم يكن قد حمل السلاح، ولم يكن قد أعلن الثورة.. ففي المرة الأولى رماه احدهم بسهم وهو قائم يصلي، ولم يصبه، وإنما أصاب درعه، والثانية: تمت ايضا في وقت الصلاة، حيث قام أحدهم بطعنه بخنجر وهو يصلي، لم يعط هذا القاتل أي حرمة للصلاة، ولا لصاحب الصلاة، والثالثة، وهي الأخطر حيث تعرض لطعنة في فخذه وهو في طريقه الى المدائن، ونقل على إثرها محمولا، هذا عدا محاولات قتله بالسم، والتي جرت أكثر من مرة، وكان ينجو منها، وتشاء الظروف أن تفشل تلك العمليات الجائرة، الى ان قضى عليه سلام الله مسموما ايضا، عن طريق زوجته جعدة بن الأشعث.

* كما تعرّض الى خيانة عظمى من قبل بعض أنصاره، والذين هم عدته في المواجهة، وبهم يصول ويجول، فقائد جيشه عبيد الله بن العباس، الذي نال ظلما كبيرا من قبل بني أمية، وقتلوا ولديه امام عينه في اليمن، تحوّل مع عدد كبير من الجنود الى صف القائد الأموي معاوية بن ابي سفيان، بعد ان تمت رشوتهم بالمال، مقابل خذلان إمامهم وهذا ما صار بالفعل، وكان هذا الموقف العامل الحاسم في ترجيح كفة الباطل الأموي، ضد الحق الهاشمي، إذ بفعل ذلك التخاذل اضطر الى التراجع عن المعركة المسلحة مع العدو، ودخل مجال المناورة السياسية، وذلك للحفاظ على ما تبقى من انصاره وشيعته، متحملا الرفض من قبل المخلصين، حتى قال احدهم له: « يا مذل المؤمنين»..

* وتكاد تكون قضية مصالحته مع معاوية بن أبي سفيان هي النقطة المحورية التي يتحدث بها الأجيال، وأغرب ما في ذلك ان العديد ممن لا يرون الخروج على السلاطين راحوا ينتقدون الأمام وكأنه قام بـ «خيانة عظمي»، ولعل الرد البليغ على ذلك ما نقله التاريخ من أن الإمام الحسن قال لأحد أصحابه، ويدعى أبو سعيد: «ألست الذي قال عنه رسول الله ﷺ لي ولأخي»الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا"؟

فرد ابو سعيد: بلى

ـ إذن فأنا إذن إمام لو قمت وأنا إمام لو قعدت،

ــ نعم يبن رسول الله

ــ يا أبا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله ﷺ لبني ضمرة وبني أشجع ولأهل مكة حين إنصرف من الحديبية، أولئك كفار بالتنزيل، ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل«... ثم قال : »وقال: «فوالله لأن أسالمه وأنا عزيز، خير من أن يقتلني وأنا أسير أو يمنّ علي فتكون سبّة على بني هاشم إلى آخر الدهر».

وتلك لعمري نظرة ثاقبة للمستقبل، حيث أن التاريخ لا يرحم، ولا يخفي الحقائق، فلو دخل الأمام مع معاوية في معركة عسكرية غير متكافئة، فهو سوف يهزم شر هزيمة، وبعدها أما أن يقتل أو يؤخد للحاكم الأموي كأسير، حينها أما ان يقتله، أو يطلقه، وكلا الأمرين لايقبلهما شخص مثل الامام الحسن ، اذ لا يقبل ان يكون «طليق بني أمية».. تلك واحدة من نظراته الى المستقبل.. فالأمويون سوف يأخذونها عليه، وسوف يمدح امامهم بأنه العفو الرحيم الكريم.

اما النظرة الأوسع، فهو لم يصالح ولم يدخل في تلك الاتفاقية دونما شروط، ودونما بنود، فقد وضع جملة من الشروط للانسحاب من المعركة المسلحة، وإيقاف المصادمات الدموية بين العراقيين والشوام، وقد تضمن عدة بنود هامة، توردها كتب التاريخ، ابرزها: «أن يعمل معاوية بن ابي سفيان بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخلفاء الصالحين.. وأن يكون الأمر للحسن من بعده، فإن حدث به حادث فلأخيه الحسين. .. وأن يُترك سب امير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة وأن لايُذكر عليا إلا بخير.. وأن يكون الناس آمنين حيث كانوا من ارض الله في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم وأن يؤمن الأسود والأحمر وأن يتحمل معاوية ما يكون من هفواتهم وأن لا يتبع أحدهم بما مضى وألا يأخذ اهل العراق بإحنة».. وربما كانت هناك بنود لم يتسن لكاتب السطور أن يقف عليها، مثل النص صراحة على توقف آلة القهر والقمع والاستبداد بحق شيعة امير المؤمنين، والتوقف عن مطاردتهم في كل مكان، وقتلهم على التهمة، وأخذهم بالظنة

إن وضع مثل هذه الشروط ـ رغم ما شابها من تشويه ـ تنم عن وعي تاريخي وسياسي لدى الامام الحسن ، فقد التزم بعدم الدخول في معركة عسكرية مع الحاكم، إلا أن هذا الحاكم اتخذ موقفا معاكسا، يتجسد في المواقف التالية:

ــ القى خطبة في الكوفة ـ بعد توقيع الصلح مباشرة ــ قال فيها: «إِنِّي واللهِّ ما قاتلتُكم لتُصلُّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكُّوا، إِنّكم لتفعلونَ ذلكَ، ولكنِّي قاتلتُكم للتأمر عليكم، وقد أعطاني اللهُّ ذلكَ وأنتم له كارِهونَ. ألا ِوانِّي كنتُ منَّيتُ الحسنَ وأعطيتُه أشياءَ، وجَمِيعُها تحتَ قَدَمَيَّ لا أفي بشيءٍ منها له».. وكان هذا أول قرار اتخذه الحاكم بعد الاتفاقية، وظهر عليه بأنه طالب حكم وسلطان لا أكثر ولا أقل، ويمكن أن تضع علامات كثيرة وصفات عديدة يجسدها هذا الرجل، الذي يدعى «كاتب الوحي»!!

ــ لم يتوقف عن سب علي بن أبي طالب، ولم يتوقف عن مطاردة شيعته، وزاد في الأمر أن استدعى والي الكوفة زياد ابن ابيه، مستغلا نقطة ضعفه، وهو عدم معرفته بوالده، فأثبت له النسب الذي يريده فصار زياد بن ابيه هو زياد بن ابي سفيان، وصار «سفيانيا» اكثر من أخيه المزعوم، وراح هو معه يعملان قهرا وقتلا في شيعة علي بن ابي طالب.. وهذه ايضا مخالفة صريحة للاتفاقية التي تمت بين الطرفين.

ــ بعد كل هذا التراجع عن الاتفاق وبنوده، جرت عدة محاولات لاغتيال الامام «معنويا وجسديا»، فقد تم تصويره الى الناس بأنه لا يفهم في السياسة، وقد سلّم الأمر الى الحاكم الأموي لضعفه، وعدم قدرته على هذا الأمر.. والترويج بين الناس بأنه أي الحسن لا يحمل خلافا مبدئيا مع معاوية بن ابي سفيان، وإنما هو رجل باحث عن المال، وهو الذي بادر الى معاوية للصلح معه، مقابل مبلغ مالي ضخم، وهو من الأصل ــ حسب تلك الاشاعات ـ يلتقى مع معاوية في طلب الثأر لدم عثمان، فهو كما قال عنه طه حسين «عثماني» بكل معنى الكلمة، مثله مثل معاوية.. لم يتوقف الأمر عند هذا فقط بل راحوا يروّجون بأن الحسن رجل مزواج مطلاق، لا هم له سوى النساء، حتى قيل انه تزوج 250 امرأة، وإن الإمام علي نفسه قد نهى الناس عن تزويج ابنه الحسن .

ولما فشلت كل هذه المحاولات، التي هدفها ابعاد الامام عن الشروط التي وضعها للصلح، ومنها إعادة الحكم إليه بعد معاوية، تم اللجوء الى التصفية الجسدية، وهي خيار يلجأ إليه الطغاة عادة للقضاء على المعارضة، فما كان من معاوية بن ابي سفيان إلا أن كتب الى ملك الروم يسأله أن يبعث إليه نوعا من السم الخاص، القاتل في شربة واحدة، وقد رفض ملك الروم في البداية، لكنه وافق بعد ان جاءته الرشاوي والهدايا من قبل معاوية، فأوعز الى زوج الامام الحسن ، وهي جعدة بنت الأشعث، وأغراها بمبلغ قدره عشرة آلاف دينار، ووعدها بأن يزوّجها ابنه يزيد، وحمل إليها سما، فجعلته في طعام ووضعته بين يدي الإمام الحسن وكان صائما فبقي 40 يوما يعاني، وقد قذف قطعا من كبده، انتهى بوفاته، بصورة مأساوية للغاية.. لقد مات الامام الحسن شهيدا مظلوما مسموما، لكنه بتلك الوفاة اثبت للتاريخ، وللأجيال، وللعموم نفاق بني امية، وزيف وعودهم.

***

* اما مظلوميته بعد وفاته فهي مؤلمة أيضا وكما يقول المؤرخون وأرباب المقاتل حيث ورد في وصيته لأخيه الحسين قوله: « يا أخي إذا قضيت نحبي فغمّضني، وغسّلني، وكفّني، وأدخلني على سريري إلى قبر جدي رسول الله ﷺ لأجدد به عهدا ثم ردّني إلى قبر جدتي فاطمة بنت أسد ، فادفني هناك.. وستعلم يا ابن أم إن القوم يظنون أنكم تريدون دفني عند رسول لله ﷺ فيجلبون في ذلك، ويمنعونكم منه، بالله أقسم عليك ألا تهرق في أمري محجمة دم»..

وتضيف كل الروايات المتفق عليها بأن أخاه الحسين بعد أن قام بتغسيله وتكفينه ـ حمله على سريره، الى مسجد رسول الله ﷺ لا ليدفنه هناك، وإنما كي يجدد به عهدا، فأتى مروان بن الحكم ومن معه من بني أمية فقال: «أيدفن عثمان في أقصى المدينة، ويدفن الحسن مع النبي؟ لا يكون ذلك أبدا».. فركب بغلة وأتى إلى السيدة عائشة فقال لها: «يا أم المؤمنين إن الحسين يريد أن يدفن أخاه الحسن مع رسول الله ﷺ ووالله إن دفن معه ليذهبن فخر أبيك وصاحبه عمر إلى يوم القيامة».. قالت: «فما أصنع يا مروان؟ ».. قال: «الحقي به وامنعيه من أن يدفن معه». قالت: «وكيف ألحقه؟ ».. قال: «اركبي بغلتي هذه».. فنزل عن بغلته، لتركبها أم المؤمنين وأخذت تؤلب الناس على الحسين ، وتحرّضهم على منعه من دفن الجثمان عند قبر جدة، فرشقوا جنازة الحسن بالنبال، حتى سل منها سبعون نبلا، وانطلق به الحسين إلى مصلى رسول الله الذي كان يصلي فيه على الجنائز فصلي على الحسن ، ثم حمل جنازته ووقف على قبر رسول الله ﷺ، لتجديد العهد، هنا رمت السيدة عائشة بنفسها عن البغلة وقالت: «و الله لا يدفن الحسن هاهنا أبدا أو تجز هذه» وأومت بيدها إلى شعرها«، ثم وقفت امام الجنازة وقالت: »نحّوا ابنكم عن بيتي فإنه لا يدفن فيه شي‏ء ولا يهتك على رسول الله ص حجابه«.. ثم قالت: »لاتدفنوا في بيتي من لا أحب".

وبعد جدال طال بين الطرفين أخذ الحسين جثمان أخيه الطاهر الى البقيع بجوار إمه لأبيه فاطمة بنت أسد ، بعد أن رشق بالنبال، واستكثر القوم عليه أن يدفن بجوار جده، لا لشيء سوى ان عثمان دفن خارج المدينة، ولا يراد للحسن أن ينال هذه المكرمة التي لم يعطها المسلمون لعثمان.

* وبعد مرور الزمن، وبعد ان انتهت دولة بني امية، وجاءت دولة بني العباس، لم يتوقف سيل الإشاعات للنيل من شخص هذا الرجل العظيم، الذي عرف بشجاعته، وورعه، وكرمه، وشهامته، وعدالته فهناك من اصحاب الحديث من لا يرون في الحسن عدالة في نقل الرواية عن رسول الله، وهو مهجته وشمامته، وريحانته، وأقرب الناس اليه.. وهناك من الكتاب المعاصرين من يتحدث عن الحسن بنوع من النقيصة منهم محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه فقه السيرة، وبالطبع لم يأخذ هذا البوطي موقفه إلا من روايات تاريخية مزورة.. وعلى ذات المنوال سار طه حسين الذي وصف الامام الحسن بأنه عثماني بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، لكنه لم يسل سيفا للثأر لعثمان.. وينقل عميد الأدب العربي موقفا ان الامام الحسن اختلف مع ابيه واتهمه بقتل عثمان، أي ان الحسن اتهما عليا بقتل الخليفة الثالث، ونقل عن بعض الرواة ولم يسمهم أن عليا مر بابنه الحسن وهو يتوضأ فقال له: «اسبغ الوضوء» فأجابه الحسن بقوله: «لقد قتلتم بالأمس رجلا كان يسبغ الوضوء» فلم يرد علي على الحسن الا بقوله: « لقد اطال الله حزنك على عثمان»..

فإذا كان طه حسين «رحمه الله» قد غض الطرف عما نقله التاريخ حول قضية اغتيال الخليفة، فمن المعروف تاريخيا ان «قميص عثمان» بات مثلا تتداوله الأجيال، للتدليل على سوء الاستغلال، إذ أن الأمويين قتلوه ليتخلصوا منه، رغم انه اجزل عليهم العطاء، وأعطاهم الدولة، وابرز قاتليه مروان بن الحكم ومعاوية بن ابي سفيان، وبعد ذلك اتهموا الامام علي واصحابه، وهم ابرياء من كل ذلك، وبإسم عثمان اندلعت حرب صفين، وبإسم عثمان ايضا رشقت جنازة الحسن ، تحت حجة دفن عثمان خارج المدينة، ويدفن الحسن عند قبر جده رسول الله.. وتحت هذه الذريعة اعتبر عبيد الله بن زياد بن أبيه قتل الحسين بكربلاء جزءا من ثأر الشيخ المؤمن عثمان بن عفان، كما جاء في خطابه الى عمر بن سعد قائد الجيش الذي قتل الحسين بكربلاء.. ويكفي في الرد على هذه الفرية، كونها تناقض سيرة الامام الحسن ، وسيرة والده، واكتفي بالقول ان قصة مقتل عثمان لها تفاصيل واسعة، هذه خلاصتها.

ــ كما تمت الافتراءات على الحسن وقيل انه «مثّل» بجسد قاتل الامام علي ويعنون بذلك الخارجي عبد الرحمن بن ملجم، وجزم الدكتور طه حسين بصدور التمثيل من أولياء الدم قال: «والشيء المحقق هو ان ولاة الدم لم ينفذوا وصية علي في أمر قاتله فهو قد امرهم أن يلحقوه به، ولا يعتدوا، ولكنهم مثلوا به أشنع التمثيل فلما مات حرقوه بالنار».. ورغم علم المرحوم طه حسين بخلق الحسن وأهل بيته، فليس من شيمتهم التمثيل بأحد، حتى اعدى أعدائهم وانما هو خلق بني امية الذين مثلوا بجسد حمزة في وقعة احد وبطل القصة هند بنت عتبه زوج ابي سفيان وأم معاوية، وهم الذين رشقوا جنازة الحسن بالسهام، وهي لاحول لها ولا قوة، وتم ذلك بأمر من مروان بن الحكم، ثم تم إكمال عملية التمثيل بالميّتين ما جرى لجسد الحسين وآله في كربلاء بأمر من عبيد الله بن زياد وتنفيذ عمر بن سعد بن ابي وقاص، وكلهم ــ ولله الحمد ـ ابناء صحابة وتابعين، فتلك هي سيرتهم وليست سيرة الحسن الذي لم يشأ ان تؤخد قاتلته بجرم قتله، ولا يراق دم مقابل السهام التي طالت جنازته.

***

ولعل سائلا يسأل، إذا كان الحسن قد تنازل عن الحكم لمعاوية بن ابي سفيان، ووضع شروطا، ينبغي على كافة أطراف الصلح ان يلتزموا بها، فمن ناحيته التزم، ووضع سيفه في غمده، لماذا لم يلتزم الأمويون بذلك؟ ولماذا قتلوا الحسن ونكلوا بشيعته، ولم يكتفوا بذلك بل تمادوا في عملية الاقصاء والتفرّد بالحكم، ومواصلة القهر والقمع بحق اهل البيت ، ولأن بنود الصلح كانت كاشفة للحقيقة، وهي أن الطرف الآخر قد غدر وخالف الشروط، وداسها برجله، لم يجد مؤرخو تلك الحقبة الّا القول بأن الحسن صالح معاوية طواعية، بالتالي فلا جواز للنهوض على سلطان بين أمية، مادام زعيمهم الحسن قد صالحهم، لكن الأحداث جرت وجاء الأمام الحسين ، وأعلن الثورة على هذا الحكم القبلي العشائري، حينها واصلوا عمليات التلفيق المستمرة وافتعلوا حدثا تاريخيا مكذوبا يفيد بأن الإمام الحسين رفع صوته على أخيه الحسن ، وكاد الأخوان ان يتقاتلا.

وإذا كان هذا هو شأن بني أمية، إذ أرادوا اسباغ الشرعية على حكمهم الظالم، بعد ان فضحهم الحسن ، ثم واصل الحسين ذلك، ليكمل المسيرة الامام السجاد في مجلس يزيد، وبانت الحقيقة، اترى ما مبرر العباسيين، في تشويه سمعة الحسن ؟

إن العباسيين لم يتوقفوا عن اضطهاد الإمام الحسن وهو في قبره وبجوار ربه، بل راحوا يبثون الاشاعات هنا وهناك، ضد الحسن ، وكأنهم لم يتمكنوا من الخروج من عقدة الخيانة التي ارتكبها عبيد الله بن العباس بحق الحسن ، فراحوا يروّجون بأن الحسن هو الذي سلّم لمعاوية، وهو الذي تنازل، ولم يفتهم ان يقولوا بأنه أخذ اموالا طائلة مقابل ذلك، وبهذه الصورة تنتقل الخيانة من بني العباس، الى ابن علي بن ابي طالب، فجبن ابن العباس وخيانته، ينبغي ان تحال الى الحسن .. ورغم ان هذا المبرر يعد قويا لدى العديد من المؤرخين، الاّ ان هناك عقدة اخرى ترد في هذا الشأن وهي ان أولاد وأحفاد الحسن كانوا قادة الثورات التي اندلعت ضد العباسيين، منهم الحسن ذو النفس الزكية.

لذا ظهرت الإشاعات واعيدت مقولة المزواج والمطلاق، حتى ان المنصور الدوانيقي في إحدى خطبه، ذكر الحسن بسوء، وقال عنه ـ كما ورد في مروج الذهب للمسعودي ـ «ان الحسن ليس برجل، وان معاوية عرض عليه ولاية العهد وقبل، ثم خلعه، وأقبل على النساء يتزوج اليوم ويطلق غدا، فلم يزل كذلك حتى مات على فراشه»..

***

ويكفي في مظلومية الامام الحسن ان قبره هدم مرتين على مر التاريخ الحديث، ولا زال البعض يقارن بينه وبين أخيه الحسين ، في حين انهما «امامان قاما او قعدا»، والحسين قال صراحة: «أخي خير منّي».

فالحسن تعرض الى ثلاث محاولات اغتيال بالخنجر والسيف، وعدة محاولات اغتيال بالسم، وتم تشويه سمعته بصورة غير لائقة، ورشقت جنازته بالسهام، وهدم قبره ولا يزال مهدوما، ولاتزال هناك من يتحدث عن فارق بين الحسن والحسين «عليهما السلام».

وبالنسبة لنا نحن الشيعة نحتفي بالإمام الحسن بذكرى مولده في منتصف شهر رمضان، وذكرى وفاته في السابع من شهر صفر، لذلك فسيرته غير غائبة عن تراثنا وطقوسنا الدينية، ولكنها غائبة عن تفكير بعضنا.