آخر تحديث: 30 / 10 / 2020م - 12:39 ص

وزارة التربية.. السينما ليست بعبعا

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن السعودية

في خطوة غير مسبوقة تناقلت وسائل الإعلام المحلية قبل أيام خبر تدشين أول قاعة «سينمائية تعليمية» ثلاثية الأبعاد في إحدى مدارس حائل، جاء الخبر مفرحا للمجتمع التويتري، وأنشئ له هاشتاق تضمن تغريدات: «مبروك لأهالي حائل» و«خطوة أولى نحو إشاعة ثقافة السينما في المملكة»، لم يلبث الوسم التويتري فرحته طويلا حتى جاء خبر النفي من وزارة التربية والتعليم أن ما تم تداوله حول تدشين أول سينما هو غير دقيق، وأن ما تم فعليا هو جزء من منظومة مصادر التعلم في مدارس التعليم العام، وليست سينما.

إنني أتساءل: ما المانع في وضع دور للسينما طالما أنها تسهم في تطوير المسيرة التعليمية، وتسهم في خلق بيئة جاذبة للطالب والمعلم؟ إنه أمر يدعو للغرابة، كل دول العالم المتقدم سواء في الغرب أو في دول النمور الآسيوية، انتبهوا إلى أهمية إدماج السينما بالعالم التربوي، هل باتت مفردة «السينما» بعبعا لهذه الدرجة؟ لماذا هذه الفوبيا؟ بعد أيام ستبدأ الإجازة، وستتجه الكثير من العوائل السعودية كالمعتاد إلى جسر مملكة البحرين، الذي يقف شاهد عيان على مغادرة السعوديين إلى البحرين؛ من أجل مشاهدة السينما كجزء من السياحة، هل تعلم ـ عزيزي القارئ ـ أن 95% من رواد صالات العرض في البحرين في أيام الأعياد وإجازات المدارس هم من السعوديين، وأن تكلفة التذاكر السنوية لدور السينما قد يتجاوز مليار ريال؟ لماذا هذه الممانعة من إنشاء دور للسينما؟.

في الماضي وتحديدا في السبعينات كان المجتمع السعودي لا يرى ضررا من وجود دور عرض للأفلام السينمائية، ومن ضمنها سينما «باب شريف» في جدة، وسينما «أبو صفية» في حي الهنداوية، وفي الطائف سينما نادي عكاظ الرياضي، وسينما «الشيشة»، بل أكثر من ذلك إذ كانت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أكثر تسامحا عندما كانت تقوم بكل هدوء بعمل جولات تفتيشية على دور السينما، للتأكد من خلوها من المقاطع الإباحية، وما إن جاءت فترة الثمانينات حتى اغتيلت أحلام السينما السعودية بفعل موجات عارمة من التشدد، وأصبحت حينها فكرة تصوير فيلم سينمائي «جريمة أخلاقية» لا يسامح عليها الإسلام، نتحدث دائما ونردد مقولة أننا مجتمعات لها خصوصية، ورطة الخصوصية في الواقع هي التي جعلتنا لم ندرك أهمية السينما، كما أدركها الغرب الحضاري لخدمة مشروعه الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي، في أيام الفيلم المسيء للرسول الكريم، كنا الأكثر صراخا وانفعالا، وكان السؤال: أين هو الفيلم السينمائي الذي سيحضر للرد على هذه الإساءة؟ لا أتوقع أن هناك عاقلا سيقول هنا السينما فسق؟ في الحقيقة وجدت الإجابة في فيلم «أنا اسمي خان، ولست إرهابيا».. الممثل المسلم «شاروخ خان» استطاع من خلال السينما أن يظهر أن الإسلام دين سلام ينبذ الطائفية والإرهاب، حتى أن أحد النقاد الغربيين قال: «لوكان المسلم حقا كذلك لأعلنت إسلامي».. الفيلم حصد الكثير من الجوائز العالمية، ويكفي أنه ثاني أغلى فيلم «بوليوودي»، ليستمر التنافس على أشده بين «بوليوود» و«هوليوود».

هناك من يعترض بأن مجتمعنا محافظ، ولا يجوز التعدي على الثوابت الشرعية، نعم.. ولكن ماذا عن السينما الجزائرية، وهي من أكثر الدول محافظة تجد النساء فيها ملتزمات بالحجاب الشرعي، ولك أن تنظر إلى السينما الإيرانية، والتي استطاعت برقابة صارمة بدءا من اللباس الذي يجب على النساء التقيد به إلى غير ذلك من التفاصيل الصغيرة، أن تفرض وجودها على العالم وعلى هوليوود؟ فلا يكاد أي مهرجان دولي يخلو من حضور السينما الإيرانية، ثم هل تعلم بأن أنجح الأفلام العالمية لم تمثل فيه امرأة وهو «المحارب رقم 13».

أخيرا أقول: في السعودية يوجد سينمائيون متميزون بلا سينما، وها هي المخرجة «هيفاء منصور»، والتي تمكنت من نقل الطموح السينمائي السعودي إلى آفاق عالمية، وبفضل فيلمها الجديد «وجدة» حضر اسم المملكة العربية السعودية في مهرجان فينيسيا، إضافة إلى الأفلام القصيرة التي حققت حضورا متميزا على «اليوتيوب»، مثل فيلم «مونوبولي».