آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 1:38 م

مفاهيم حياتية 3

ياسين آل خليل

نحن كبشر مخلوقات اجتماعية، نَكْرَهُ العُزْلة ونبحث عن ما يجمعنا مع الآخر، نُشارك المجتمع أفرادًا وجَمَاعات، الأفراح والأحزان، ونقضي الكثير من الوقت بصحبة أناس من نفس الخامة، نتداخل معهم في تعاملات مختلفة لتبادل المصالح والأفكار والخدمات. هذا جزء يسير من كثير من التعاملات الإنسانية التي تجمعنا ضمن نسيج مُتَجَانس من العادات والتقاليد، التي ورثناها وحافظنا عليها عبر مرور الزمن وتعاقب الأجيال.

على كثرة الإيجابيات في مجتمعنا فإننا أيضا علينا أن نعترف بأننا لا نعيش في تلك المدينة الفاضلة، التي تخلو من المفاهيم الحياتية السلبية والتناقضات على تنوعها. ولأننا جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع، فإننا نُؤثّر ونتأثر بما يجري ويُتَدَاوَل، كما وأننا نشعر في الكثير من الأحيان بضغوطات، إلا أننا لا نعطي تأثيرها أهميةً تُذكر، بل نَحتضنها ونتعايش معها، إما لمُحاباة هنا، أو مُجاملات لكسب الآخر هُناك.

هذه التصرفات الغير محسوبة العواقب، لا تمر دون دفع ثمن، إما في حينها أو مع مرور الوقت. يصحوا الواحد منا من غفلته بعد حين، ليرى أنه قد انخدع وتَجَرع السُم، فوقع فريسة للضِبَاع البشرية، التي لا تَرْحم، تنهشه من كل حدب وصوب، ودون أن يتمكن من إيقافها أو حتى من قول كلمة ”لا“، أو ”كفى“..!

إدراكك بأنك قد فقدت السيطرة على مفاصل حياتك، ومُلكيتك الطبيعية لخيارَاتك، وفي وقت متأخر، يجعلك تفقد ذلك الشغف الذي كان يراودك في وقت مُبْكر من حياتك، وما كنت فعلًا تتطلع إليه في هذه الحياة. سؤالٌ يراودك دومًا وأبدًا، هل ياترى فقدت زمام الأمور، وأنه لم يعد بيدك استعادة ما فقدته، أو أنه ما زال هناك متّسع من الوقت لتقول كلمتك وترفع صوتك عاليا رغم كل الظروف والمعطيات الحياتية التي تحيط بك؟

مُحاولاتك اللامتناهية لإرضاء الجميع، هي محاولات بائسة في معظمها، مخيبة للآمال في مُجْمَلها. فعندما ينتهي بك المطاف إلى عدم رضا الناس عنك، وفي المقابل عدم رضاك عن نفسك، فإنه من الطبيعي أن ينتابك حالة من الإحباط، بداية لأنك فشلت في إرضاء مُجتمعك، وانتهاءً بأنك لم تتمكن من عيش حياتك بالطريقة التي ترضاها وتشعر فيها باستقلالية رأيك وخياراتك.

هذه نتيجة محتومة، يمكن لكل ذي عقل أن يتوقع حدوثها، لأي فرد ارتضى لنفسه أن يكون مُكبّلًا، وتحت ضغوط اجتماعية، لا تؤمن في التغيير، إلا من زاوية ضيقة، يتزاحم الجميع في أن ينتابهم مكانة منها، عسى أن يُحالفهم الحظ ويَتَقبلهم مُجتمعهم قبولًا حَسَنًا.

حتى لا أطول عليكم الحديث، وضعٌ كهذا قد لا يأخذ وقتًا طويلًا حتى تتفاقم فيه الحالة، عندها تتكشف الأمور لتدرك أنك دخلت في حالة من فُقدان السيطرة على حياتك، وأنك قد تحولت إلي فريسةٍ لا حول لها ولا قوة. الضغوط الإجتماعية عادة ما تكون خدّاعة، بمعنى أنه لا يمكنك معرفة ما المطلوب منك بالتحديد، لتكون من المرضي عنهم، وإذا ما دخلت في تلك الدوامة فإنك لن تخرج منها سليمًا معافى، لأن الواقع يتحدث عن نفسه.

من المُحَقّق والملموس، ليس هناك من يهمه أمرك، عليك أن تكتشف طريقك بنفسك ودون الإستعانة بأحد، أو أنه سينتهي بك الأمر إلى عض أصَابعك نَدَمًا وحسرة على ما فوّته من فُرَص وأضعته من عُمْر.

لكن كيف لك أن تتوخى الحذر باكرًا وأن تستعيد ما فقدته من شغف الحياة التي أردتها لنفسك، والتي هي اليوم أبعد من أن تكون واقعًا مُعَاشا؟ كيف لك أن تسترد ما فقدته من مُلكية خياراتك المشروعة..؟

عندما تعصف بك رياح المجتمع، هل تتأرجح في الهواء، أو ماذا عساك فاعلٌ بنفسك؟ هذا ما سأحاول تسليط الضوء عليه في مقالتي القادمة بعد توفيق الله. دمتم سالمين

«للحديث بقية»..