آخر تحديث: 27 / 2 / 2021م - 12:23 ص

الأدب العربي في المجالس الشيعية

سلمان محمد العيد

تقدم المجالس التي يعقدها الشيعة في من مناسباتهم الدينية، فوائد عدة لخدمة الأدب العربي، ضمن مجموعة ايجابيات تحققها هذه المجالس على مختلف الصعد الثقافية والاجتماعية، حيث يعد الشيعة ـ في هذا العصر ـ من اكثر الشعوب العربية الداعمة للأدب العربي من خلال ما يتم تقديمه في هذه المجالس، من إبداعات أدبية تتكرر طوال عام بمختلف الوسائل.

وتتضح هذه الصورة من خلال التطرق الى عدة نقاط هي:

ــ إن الأدب كما يعرفه الأدباء هو: «الكلام الجميل المؤثر في النفوس»، والذي يأتي من عاطفة صادقة، وخيال واسع، بمضمون له قيمته على أرض الواقع، وينشد التغيير الاجتماعي «بمعناه الأعم والأوسع».. ويتجلى ذلك في منتج أدبي يكون شعرا او نثرا او مسرحا..

ــ والشيعة ـ في مجالسهم الدينية ــ يقدمون منتجات أدبية، بعضها يدخل في إطار الأدب العربي بشكل عام، وبعضه يمكن ان نطلق عليه بأنه «شعر شيعي» او «نثر شيعي».. ولا غرابة في ذلك فكل أئمة الشيعة «وأتباعهم» هم أرباب الفصاحة والبلاغة، ولا تزال آثارهم تحكى ذلك، وللتدليل على ذلك يمكن الاطلاع على كتاب «نهج البلاغة» الذي أعدّه الشريف الرضي لخطب وكلمات وحكم الأمام علي .

ـ وفي هذا الصدد فإن للشيعة مجالس تعقد في مناسبات طوال العام، يتم أحياؤها بطريقة معينة، لو تم التمعن في هذه الطريقة لوجدنا ان لها قيمة أدبية رائعة، تؤكد عظمة هذه المناسبات، ففي الغالب يبدأ الاحتفال بالمناسبة بشعر عربي فصيح أصيل «موزون ومقفّى»، ثم يتلوه حديث نثري على شكل خطبة تحمل رسالة «دينية، أو ثقافية، أو اجتماعية، أو سياسية» تختم ـ في الغالب ـ بشعر عربي دارج.. فالمناسبة يتم احياؤها بالشعر والنثر، أي بعمل أدبي، يطلب الجمهور لمن يقوم بإحياء المناسبة شيئا من الإبداع.. فقبل الخطبة ـ اذا كانت المناسبة حزينة ـ يأتي شخص ويقرأ ما اصطلح عليه بـ «التصديقة» فهو يسرد الحدث تاريخيا بنغم وصيغة متفق عليها، كما قد يعقب المناسبة ـ إذا كانت حزينة ايضا ـ موكب عزاء، وهو تلاوة شعر حزين «قد يكون فصيحا، وقد يكون دارجا»، يردد معه الحاضرون، ويتفاعلون مع الشعر الأعمق، والأصدق، والأكثر حزنا وشجىً.. فهذا الموكب يجمع بين الشعر كشعر، وبين الخطابة، حيث يتم القاء ذلك الشعر صوتيا، لذلك لدينا في التاريخ الشيعي خطباء التعزية او ما يطلق على الواحد منهم بــ «الرادود»، وهو يختلف عن «الخطيب» الذي يذكر السيرة بالشعر والنثر بصيغة تختلف عن الرادود، وكلاهما يختلفان عن «المصدق» بكسر الدّال، والجامع بينهم هو محاولة التأثير في الجمهور، ولا يتم ذلك إلا بمنتجات أدبية، «شعر أو نثر» تحمل كل أركان العمل الأدبي سابقة الذكر.

ــ ويتسم هذا الإنتاج بالوفرة والعمق أيضا، وتظهر هذه الحقيقة، لأن المناسبات الشيعية عديدة، وكثيرة أيضا تقام على مدار العام، فهناك: «مواليد ووفيات المعصومين الأربعة عشر»، أي «28» مناسبة، تتفاوت طبيعة الاحتفال بها، فمناسبة مثل حادثة كربلاء «استشهاد الامام الحسين» يتم الاحتفاء بها عشرة أيام الأولى من شهر محرم، يتم تكرارها بشكل أقل حجما وسعة في العشرة الوسطى من محرم، وأقل منها في العشرة الأخيرة من الشهر نفسه، هذا عدا ذكرى العشرين من شهر صفر، عدا ذكرها طول العام في كل مناسبة حزينة، كما ان ذكرى وفاة الامام علي يتم الاحتفاء بها ثلاثة أيّام في شهر رمضان المبارك، وباقي الأئمة يومان لكل معصوم «يوم للولادة، ويوم للوفاة».. وأما بالنسبة لذكرى مولد النبي ﷺ فيتم الاحتفاء به مرة في السنة، عدا ذكرى الاسراء والمعراج، وذكرى المبعث، فضلا عن ذكرى وفاته ﷺ.. كما أن هناك «شهر رمضان كله»، أي 30 يوما، ويتم خلاله الاحتفال بمولد الامام الحسن ، ووفاة الإمام علي ، وذكرى معركة بدر، وليالي القدر.. وهناك «المناسبات الخاصة بالناس»، ففي الافراح يتم الاحتفال بأهازيج دينية، وفي الوفاة يتم احياء مجلس، يسبقه تلاوة للقرآن، وقراءة موعظة بنمط خاص، ثم مجلس وعظي كامل «شعر فصيح، خطبة، شعر شعبي».. هذا عدا «النذورات»، حيث الواحد ينذر احياء مجلس للحسين إذا تحقق له ما يريد.. و«العادات الاسبوعية»، فقد اعتاد الشيعة ان يقام مجلس موعظة مرة كل اسبوع، ذلك في المنزل، ويتم استدعاء خطيب ليقرأ.. كل ذلك بغض النظر عن الندوات والاحتفالات، والأمسيات الشعرية، والأمسيات القصصية، وحلقات الذكر، مثل دعاء كميل، او دعاء عرفة، او احياء ذكرى ليلة القدر، وخلالهما يتم قراءة ادعية مأثورة، هي بمثابة مقطوعات أدبية، فوق كلام المخلوقين، ودون كلام الخالق.

على ضوء كل ذلك فالشيعي لا بد أن يكون في مولد، او في وفاة، او في فاتحة، او في حفل زفاف، ولا بد أن يسمع شعرا فصحيا، وشعرا دارجا، وخطابا نثريا، ومنتجا أدبيا مغايرا، وتتاح له فرصة المقارنة بين مقدمي تلك المنتجات الأدبية، فيعمل ذهنه لتحديد ان مقدّم العمل لديه قدرة أفضل من الآخر، وهذا يتميز بمستوى فكري، وآخر بمستوى بلاغي، وثالث لديه قدرة على التأثير في المناسبات السعيدة دون الحزينة، وبالعكس.. بالتالي فهناك مجال للأدب، وهناك مجال للنقد الأدبي، والخيار للمتلقي. وبهذا يكون فالمزاج الشيعي مليئا بالشعر والنثر، فهل يستغرب ان يظهر في كل زاوية من زوايا الشيعة شاعر او أديب.

ــ هذه الأنماط من التعبير الأدبي «الشعري والنثري»، تتم في أجواء من الحرية من أجل الإبداع، فلا أحد يتدخل في خطبة الخطيب ولا قصيدة الرادود، ولكن يتم محاسبته إذا ما صدر منه خطأ أو جاء العرض بمستوى أقل.

ــ إن المنتجات الأدبية المقدمة في المجالس الشيعية تتسم بأنها: لا تخالف المتعارف عليه في الأدب العربي، فالشعر الفصيح يسير وفق الأصالة، أي انه شعر عامودي غنائي.. كما أنها تعتني بالشكل والمضمون في آن واحد، فالشكل سليم والمضمون واضح وصريح.. فوق ذلك هناك انفتاح على الشعر العربي بأكمله، فمادام يقدم شعرا ذا مضمون معين، فهناك أشعار يتم تداولها للشافعي «وهو ليس شيعيا»، وجورج جرداق «وهو مسيحي»، ومحمود افندي العمري الفاروقي «وهي سني ايضا»، والحسن التهامي «وهو شاعر من العهد العباسي لم يعرف عنه كان شيعيا ام لا»، كما يتم تداول قصيدة الجواهري «وهو شيعي بخلفية غير دينية»، فضلا عن ان الابداعات الشيعية المستمرة كل عام،

ــ هناك فنون أدبية حديثة على الأدب العربي، وأبدع فيها العرب أيضا وأنتجوا منها جملة من ألأعمال مثل المسرح، أي الدراما بمعناها الأعم، وهذه ايضا قام الشيعة بتنفيذها، وأنتجوا اعمالا في هذا المجال.. صحيح انها لم تصوّر ولم تظهر على الوسائل الحديثة مثل التلفاز والسينما، وذلك لضعف الإمكانيات، لكن دولة الجمهورية الاسلامية في ايران تعمل جاهدة على هذا الصعيد، ولها انجازات حقة، تستحق الشكر في هذا المجال.. فهي وإن لم تصور ذكرى عاشوراء او ذكرى وفاة النبي ﷺ او أي ذكرى اخرى، لكنها انتجت جملة من الأعمال الدرامية حول احداث تاريخية لها علاقة بذكريات الاسلام وسيرة اهل البيت، لا تقل جودة عن فيلم الرسالة للعقاد، لعل آخرها مسلسل المختار الثقفي الذي تمت دبلجته باللغة العربية، فهو عمل ـ رغم دبلجته ـ لا يقارن بالأعمال الدراما العربية، التي تتواضع قيمتها الفنية والعلمية امام هذا المسلسل.

ــ رغم ان المناسبات هي هي لم تتغير، كونها احداثا تاريخية جرت، لكن الشيعة ابدعوا في تصويرها وتجسيدها ليتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل، وأبدعوا صورا فنية اخرى للحدث، لنقرأ عدة نماذج على سبيل المثال:

النموذج الأول: يقول الشاعر الشيعي:

كرام بأرض الغاضرية عرّسوا... فطابت بهم أرجاء تيك المنازل

ولما دنت آجالهم رحبوا بها.... كأن لهم في الموت بلغة آمل

فماتوا وهم أزكي الأنام نقيبة..... وأكرم من يبكى له في المحافل

النموذج الثاني: يقول شاعر آخر

قوم إذا نودوا لدفع ملمة.... والخيل بن مدعّس ومكردس

لبسوا القلوب على الدروع وأقبلوا.... يتهافتون على ذهاب الأنفس

النموذج الثالث: يقول الشاعر:

من الضيم ان يغضي على الضيم سيد... نمته اباة الضيم من آل هاشم

فهم شرعوا نظم الفوارس بالقنا... كما شرعوا بالبيض نثر الجماجم

هذه ثلاثة مقاطع لثلاث قصائد تشيد بأنصار الحسين وشجاعتهم، وفي كل مقطع صورة فنية مختلفة، من يقارن يصل الى ذلك.. ففي الأولى يرحبون بالمنايا، أي أن المنايا جاءت لهم، وفي الثانية هم الذين يذهبون لها، وفي الثالثة صورة مختلفة لا هذي ولا تلك، أي انها عملية وسط بين الاثنين، لكنها تؤكد العزة والشرف التي لا تفرّق بين الذهاب الى المنية، أو استقبالها.

النموذج الرابع: مقطع من قصيدة شعبية:

راد ايطب على الحومة.. نادت جاسم الحومة

دخلك لا تطب ليّ... يبن الشايعة اعلومة

اخلني انصب لك الحوفة.. عرسك من بلغ يومة

واجلي مرهف اخدودي.. وامسح سمهري جعودي.. بعرسك نحتبي اودودي

واظلن دوم مهيوبة.. واصيرن للبدر هالة.

لكن يابدر عدنان.. شنهو المهر تنطيني

قال إلها علي طلبي.. يام العلى وشوفيني

قالت له اريدك ابدم راسك اتحنيني

وتنثر لي وليمة شوس.. وتغني لي بضرب الطوس.. وتذبح لي اكفوف وروس

ياجسام وشمع عرسك اسهام الحرب وانباله

البيت شعبي دارج باللهجة العراقية، لكن الصورة الفنية رائعة، اذ ان المعركة تتحاور مع الفارس، وتتزين له، وتطلب منه التوقف حتى تستعد لاستقباله، استعداد العروس لعريسها.. في الوقت نفسه تريد منه مهرا، وهذا المهر غالي،

قل لي بربك هل هناك صورة فنية ابلغ من هذا؟

نعم هناك في المجالس الشيعية صور ابلغ وأدق وأعمق ايضا. هي بالتأكيد أفضل للدراسة من نصوص شعر عمر بن ابي ربيعة، والبحتري، وخطبة الحجاج، وخطبة زياد بن أبيه البتراء.