آخر تحديث: 3 / 4 / 2020م - 2:47 م  بتوقيت مكة المكرمة

بيوت بلا دفء

واقع مرير لا يمكن إنكاره أو الإعراض عن مشهده صفحا، إنه التحول والانحدار في العلاقات بين الإخوة وخلوها من أي دفء وحنان وتواصل، فتواجده في البيت وتحت سقف واحد لا يعني أكثر من اجتماع أبدانهم ولكن النفوس متفرقة، فلكل واحد عالمه الخاص الذي يختفي في معظم تفاصيله عن إخوانه، والحديث المتبادل بينهم كلام عابر لا يتجاوز التحية، ومهما كانت معاناة أحدهم أو المشاكل والعقبات التي يصادفها فإنه لا يلقى المساندة منهم أو حتى مجرد الإحساس بألمه وهمه، وهذا مما يزيد في مسافة البعد والجفاء حتى تصل علاقتهم إلى مرحلة الهشاشة.

لا يخفى علينا أهمية العلاقات القوية والتفاعلية القائمة بين الإخوة في مردودها الإيجابي، فالدعم النفسي في اللحظات والمواقف الصعبة يجدها في كلمات إخوته التي تخفف عنه وطأة الألم والهم، وكذلك المساندة معه في إيجاد الحلول والمخارج الممكنة للخروج من عنق الزجاجة للمشكلة.

ويلقى المساندة الوجدانية والمشاعر الدافئة التي تقوي إيمانه بنفسه وبقدراته بما يلقاه من مقبولية ومحبوبية في وسط محيطه الأسري، وهذا ما يدفعه بقوة الأمل والهمة في دراسته وعمله والنجاح في علاقاته لثقته بنفسه، ومتى ما افتقر للاحتواء من أفراد أسرته كان ضعيفا في بنيته النفسية والاجتماعية وسعى لتعويض ذلك خارج أسرته، وما يخشى منه أن يقع في قبضة أصدقاء السوء فيشق معهم طريق الانحراف والعدوانية.

الكثير من البيوت تعاني من حالة الفتور إن لم نقل شبه القطيعة في علاقات أفرادها، وهذا الانقطاع في التواصل بينهم بلا شك له أسبابه المتداعية لفرضه كواقع - وإن لم نقبله -، وأصبح الشاب يجد في صداقاته خارج البيت مأوى لسكينة نفسه ومتنفسا لهمومه وسبيلا للتواصل وتبادل الأحاديث، بحيث تجده مباينا تماما لوجوده في البيت حيث يغلب عليه الصمت إلا من كلمات شبه رسمية وقليلة، وعقد الصداقات بحد ذاته لا يعد عيبا أو مذموما بل على العكس، يعد جناح قوة يسعفه في مواجهة تحديات الحياة ويكتسب منهم الصفات الإيجابية، ولكن نقطة الخلل تكمن في تباين حالته ما بين داخل المنزل وخارجه، فالبيت بالنسبة له ليس بأكثر من مأوى لراحته ونومه، وأما مشاعره وتفاعله وتواصله فينصب على أصدقائه غافلا عن وجود إخوة له في البيت يمكن له أن يستمد منهم الدفء والحنان.

هناك عوامل متعددة لوجود هذا النقطاع في التواصل والتفاعل بين الإخوة في البيت حتى خيم الصمت بينهم، وعلينا في البحث عن تجاوز هذه المشكلة أن نضع أمام أعيننا تلك العوامل المؤدية لتبلد التفاعل بينهم.

من أهم تلك العوامل هو الاستخدام الخاطيء لتصفح مواقع التواصل الاجتماعي والتي أخذت جل الأوقات، حتى غدت جلسات الأسرة اجتماعا بالأبدان مع تفرق العقول والنفوس، إذ يسود الصمت وتنعدم الأحاديث المتبادلة بين الإخوان بسبب الانشغال بتلك البرامج، وحتى الكلمات القليلة بينهم ما هي إلا تعليقات على المقاطع المرئية المشاهدة، ولكي نعيد الدفء لعلاقات الإخوة لابد من تحييد الانشغال بالجوال في الجلسات العائلية حتى يعود لها الألق والحيوية.

ومن تلك العوامل هو انشغال الوالدين بأعباء المعيشة والمنزل دون إعطاء مساحة للجلوس مع الأبناء وتفقد أحوالهم وتقوية العلاقة بينهم، فمن مهام الوالدين تنمية المحبة والاحترام والثقة المتبادلة بينهم، والاستماع لما يعانيه كل واحد منهم من مشاكل وما يفكر فيه ويؤمله لمستقبله، وهذه المهمة تحتاج لوقت وجهد كبير ومتعب ولكن نتائجه المثمرة بعقد علاقات وتواصل نشط بين الإخوة يستحق كل هذا العناء وعليهما تحمل هذه المسئولية، وذلك من خلال توجيههم نحو تعميق الاحترام والمحبة وتبادل الأحاديث والهدايا، وبث الأخبار الجميلة والإيجابية عن أحدهم لتعزيز أواصر الإخوة، وتجنب ذكر أخطائه أمام إخوانه لئلا تنكسر نفسه ويفقد احترامهم.