آخر تحديث: 3 / 4 / 2020م - 12:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

المشورة خارطة طريق

ورد عن أمير المؤمنين : «من غش المسلمين في مشورة فقد برئت منه» «مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 63».

يتحرك الإنسان في التخطيط لمستقبله ورسم الأهداف ودراسة واقعه وما يحيط به من مشاكل وصعوبات، وكذلك النظر في الأحداث التاريخية وماضيه الخاص بعين الاعتبار، من خلال ما منحنا الباري سبحانه من ملكة الإدراكات العقلية وتنقلها ما بين الأحداث والظواهر والمواقف والأهداف الطموحة بالبحث والاستقراء والاستنتاج للخلاصات والأفكار، والتي تشكل مخلصا وخريطة طريق يتجاوز بها العقبات والعثرات في طريقه، وهذا لا يعني - بالطبع - القدرة على الوصول إلى الحلول الجذرية والمرضية في أكثر ما يواجهنا من أزمات، ولكن رضا النفس الإيجابي في إحدى نتائجه يأتي من التحرك الفكري الناضج للوصول لأفضل الحلول الممكنة والعمل على تطبيقها على أرض الواقع.

فالمنطقية في اتخاذ أي خطوة أو قرار سديد تعني أنه مر بعملية دراسة معمقة بعيدا عن الجزافية المتسرعة، والتي تدل على ضعف في توظيف العملية التفكيرية أو فقدان لمقوماتها والتأهيل لممارستها، كما أن هدوء النفس واختيار الوقت المناسب لدراسة موقف معين تفضي إلى نتائج طيبة، بينما البعض لا يتخلى عن عصبيته في كل أحواله حتى أنه يتخذ قراراته المهمة في لحظات انفعال طائشة يندم بعدها كثيرا، متغافلا عن أمر مهم وهو بيئة وظرف اتخاذ القرار المناسب، إذ آلية النجاح تتطلب دراسة هادئة لكل ما يتخذه ويقدم عليه، وهذا ما يميز أهل الحكمة والفكر الرشيد في نظراتهم وقراراتهم المتأنية المتخذة في أجواء هادئة بعيدة عن ضوضاء التهور أو برود التردد.

وكما أن الطائرة تحلق في السماء بفعل قوة محركيها فكذلك ضم العقول الواعية إلى عقلنا والاستهداء بتصوراتها يشكل مظلة لما يسمى بالعقل الجمعي، فإن اشتبهنا في المقدمات أو تهنا في حركة البحث المعمق أو وقع خلل أو نقص في ما رسمناه من صورة شاملة، كان هناك ما يسد الخلل ويكامل الفكرة بمضمون رصين من خلال مشاورة العقلاء من أصدقائنا والنخب المجتمعية، ويخطيء من يعتمد على رأيه فيستبد ويتجه به نحو الأخطاء المتكررة، وكم من إنسان استبد برأيه واتصف بالتزمت واحتكار التفكير الصائب فلم يلحقه إلا الندم والحسرة، فمن أراد ترتيب حياته وآماله وطموحاته وفق الحكمة والدراسة المتأنية لا يمكنه أبدا الاستغناء عن مشاورة العقلاء وطلب النصيحة منهم والاسترشاد بتصوراتهم، فليس هناك من أحد يدعي امتلاك مفاتيح الحلول كلها أو الطرق الموصلة إليها، وخصوصا اليوم ونحن نواجه هذا التوسع الشبيه بحالة الانفجار على المستوى الثقافي والقضايا الاجتماعية والمشاكل الأسرية والحياتية، كما أن تعقد الظروف المعيشية والضغوط الاقتصادية يحتم اللجوء نحو الاحتكام لأهل المشورة والحكمة والمنطق في تفهم الأمور والتعامل معها بعيدا عن الاستهتار والتهرب من المسئولية، أو التهور والخوض في المشكلة بسلبية أو اجترار الآلام والهراء في الحديث.

وليس كل واحد يمحص النصيحة والرأي الحصيف ويطلب منه المشورة، بل نبحث للانتصاح عن صاحب الحكمة والرشد، والقادر على بحث المشكلة أو الظواهر بجميع أبعادها ومن ثم يبدي التصورات الممكنة للحل، فالحياة في تعقد مشهدها وصعوبة ظروفها كالبحر الهائج يتلاطم الناس بين أمواجه العاتية، والحكيم المستشار طوق النجاة الذي نطلب به السلامة والأمان من الزلل والوصول لبر النجاة.

ولا أحد منا أكبر على المشورة وطلب الرأي الحصيف وإن امتلكنا معرفة وثقافة جيدة وخبرة زمنية لا بأس بها، فإن النصح ينير لنا الدرب بأضواء متعددة قد تكشف ما يخفى علينا.