آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 9:21 م

اليقظة السردية في الممارسة الفوتوغرافية

أثير السادة

إذا كان هنالك ما يحسب لموجة الديجتال من التصوير فهو إيقاظ شهوة القص، فالكلام بالصورة بات باباً مفتوحاً على مختلف مواضيع الحياة، لا يضع الواحد منا عدسته إلا ويرفعها ثانية ليقبض على حكاية جديدة، بنحو يجعل من الصورة حاملاً سردياً بامتياز، يشف بذات المصور وانشغالاتها، بمثل مايشف بتفاصيل الموضوع وحكاياه.

صناعة القصص الفوتوغرافية ليست أمراً جديداً، باعتبارها جزءا من الممارسة المهنية للمصورين الإعلاميين، وجزءا جوهريا من تجارب التصوير الوثائقي، وإنما الجديد هو هذا الاتساع على مستوى الممارسة والممارسين، وهذا التنويع في طبيعة المقاربة لفكرة ”القص البصري“ كما يجلوها المعرض الأخير لجماعة التصوير بالقطيف، والتي اختارت أن تجعل منه منصة لاختبار هذه الموجة الصاعدة.

ينتخب غالبية المشاركين في هذا المعرض مشاريعهم الفوتوغرافية من حياة الناس، يرصدون يومياتهم، ويراقبون طقوسهم، وتفاصيل الحرف والمهن التقليدية، يذهبون بعيداً في تصعيدها بصرياً عبر الكشف عن التفاصيل الصغيرة وتحويلها إلى حالات درامية، عبر مرشحات سينمائية صريحة على مستوى التأطير والتقطيع والتنويع في مستويات النظر، هنا لا تتخلى الصورة عن طبيعتها الصامتة، لكنها تتوسل حركية اللقطة السينمائية وهو تصوغ شريطها من اللقطات، لقطات تتشرب من روح الضوء، ودينامية الحركة، وجاذبية التكوين ما يهبها بلاغة تعبيرية، وإن بدت المحددات التي تفرضها آلية العرض قد نالت من بنية القص في هذه التجارب، حيث التجميع والترتيب غير المتساوق مع سياق الحكاية.

قصص قصيرة جدا، هكذا تبدو تجارب المعرض الأخير، وهي تغرف من حكاياتنا وحكايات الأمم التي مازال المصورون المحليون يشدون الرحال إليها، قصص تباينت فيها مستويات التصعيد البصري، حيث التكثيف والاختزال هو الرافعة الجمالية لمثل هذه القصص، فثمة تكرار في بعضها يهب التجربة شيئا من الترهل والتفكك، حتى لكأن الطول والقصر منذور لاشتراطات الحضور والغياب في هذا المعرض، بمعنى الحرص على بلوغ العدد المنشود من الصور، عوضاً عن اكتمال المبنى الحكائي وتعزيزه، الأمر الذي يظهر جلياً في قابلية بعض التجارب للاختزال في عملين أو ثلاثة لا أكثر.

الجميل في هذا المعرض هو تحريضه على صناعة القصص البصرية، والخروج من الجو الاستهلاكي اليومي للصورة باعتبارها واحدة من اكسسورات الحياة اليوم، وإرجاعها إلى حيز الممارسة الفنية واسئلتها، عبر هذا التشاكل مع أفعال السرد والسينما، وهذا الافتتان بقدرة الصورة على أن تتجاوز صمتها باتجاة لغة تعبيرية كثيفة، لا تنتظر إلا تآويل الفرجة.

وبس.