آخر تحديث: 3 / 4 / 2020م - 12:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

الزهراء (ع) الركن الوثيق

ورد عن الإمام الباقر :.. «فلما قبض رسول الله ﷺ قال علي: هذا أحد ركني الذي قال لي رسول ﷺ، فلما ماتت فاطمة قال علي: هذا الركن الثاني الذي قال لي رسول الله» «أمالي الصدوق ص 198».

وأي قلم يمكنه أن يوفي شيئا من بحر الفضائل وتاج الكمالات الزهراء ، ولكنها إطلالة نستشرف منها ما يقودنا نحو النهج الفاطمي المعرفي والتربوي؛ لنقتدي به ونستهدي به ما يجلي عن بصائرنا دياجير الغفلة والجهل، فهي سر الله تعالى الرابط بين خط النبوة والإمامة لتتكامل الأبعاد لطريق الهداية والإرشاد، فالفكر الواعي يمكنه أن يتلقى إشارات ودروس مهمة من هذا البحر الزاخر بالقيم والمضامين العالية.

وإذا تمعنا بطريقة استقبال رسول الله ﷺ وتحيته لابنته الزهراء لاستنبطنا أهم تلك المضامين، ألا وهو إبراز الدرة المكنونة بالفضائل والعظمة التي فاقت نساء العالمين في جميع أبعاد شخصيتها، فكان الوصف اللائق بجمال روحها وألق خلقها ورقة وجدانها ونورانية تهجدها بأنها حوراء إنسية.

فأي ركنية يتحدث عنها أمير المؤمنين والتي جعلت الزهراء في مقام وشأنية كأبيها رسول الله ﷺ؟

إنه - بلا شك - الخط الرسالي التبليغي الذي ضمهم في ميدان عمل واحد، يعملون من خلاله على تغيير واقع الناس في مختلف الأصعدة وفق الإرادة الإلهية حتى تصطبغ بالهدى والحق، فأعمارهم الشريفة كانت حياة سعي مثابر بلا كلل في طريق هداية الناس وتوعيتهم وتزكية نفوسهم، فقد شاركت الزهراء أباها ﷺ في الدعوة إلى الحق وتوحيده ونبذ عبادة الأوثان والأهواء والشهوات، وقادت مسيرة التكامل للمرأة من خلال إرشادهن وتنوير عقولهن، فكان على يديها صناعة الشخصيات النسائية العظيمة التي سطرت الملاحم في الحياة العامة، وأرست سيدة نساء العالمين معالم الأسرة الناجحة والعلاقات الزوجية الموزونة، فالباحثون إذا تأملوا سيرتها العائلية كان ذلك مدعاة للظفر بالكثير من الدروس والقواعد العامة لعلاقات مستقرة.

وهذه المرتبة الركنية مع أبيها رسول الله ﷺ التي يستند إليها أمير المؤمنين ليست بمثار استغراب، لما كانت عليه من عظمة في جميع أبعاد حياتها والتي تجلت منها معاني القرب من الله تعالى والأنس بذكره وتقديم التضحيات، كيف وهي ثمرة الدوحة المحمدية التي استقت منها معالم الكمال والعفة والجهاد والبيان الرسالي، وقد صيغت كينونتها بكل لون من جمال الكمال الروحي فغدت امتدادا لأكمل الخلق محمد ﷺ، وهذا التمازج في النورانية عبر عنه الرسول الأكرم بتعريفات متعددة بهوية ومكانة الزهراء ، فقد صاغ أجمل العبارات في الإشارة إلى العاطفة الرقيقة التي خففت عنه ألم اليتم، فقال عنها: «أم أبيها»، إذ كانت له المأوى الذي يطمئن إليه بعد ما يلاقيه من قومه من صدود وعدوان، فكانت تقابله بكل لطف وحنان فتخفف عنه تلك الأعباء الثقيلة وترفع عن كاهله ثقل الهموم.

وفي رواية أخرى يعبر الرسول الأكرم ﷺ عن مقامها الرفيع بالتعبير عنها بأنعا بضعته ، والمقصود بالبضعة أنها من سنخية كمالاته في العصمة والعلم والخلق الرفيع والعطاء المادي والمعنوي والقيام بمهام التبليغ الرسالي، فمن لم ير رسول الله ﷺ في نورانية فيوضاته فلينظر إلى سيرة البضعة الزهراء، إذ لن يجد أي مفارقة ولو بمقدار قيد أنملة، فقد كانت شبيهته في الوقوف بين يدي الله عز وجل والخشية منه والعفة والصون، وينضح منها الحكمة والفكر الراقي بأبلغ الأساليب كما يتضح من تراثها العلمي والأدعية الواردة عنها .

ويعبر عن مقامها الرفيع والركنية الوثيقة بالإشارة إلى مرتبة عالية خاصة، ألا وهي: تحقق وتعلق الرضا الإلهي برضاها وغضبه سبحانه وتعالى على من غضبت عليه، مما يدل على عصمتها وكونها مرآة كاشفة مميزة لمن عصى الله تعالى وأعرض عن آياته من المؤمن المطيع المتبع للهدى.