آخر تحديث: 3 / 4 / 2020م - 12:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

أيها الآباء والأمهات المعنفون مهلا

ما أجمل الصور البلاغية وتلك الخواطر التي تتغنى بالطفولة البريئة وما تحمله ابتسامتهم وأسئلتهم من صفاء النفس، ولكن هذه الطفولة قد نجدها في ضفة أخرى غير محببة للنفس، وذلك إذا تعرضت إلى انتهاكات وضغوط تغير من خرائط مشاعرهم وتفكيرهم، ومن تلك العوامل الهدامة لألق الطفولة هو العنف الأسري الذي يحيطهم بالمخاوف والقلق بدلا عن الطمأنينة والهدوء والعواطف الجياشة من الأبوين.

ولعل بعض الآباء والأمهات لا يعون تأثير ممارسة أي شكل من أشكال العنف اللفظي فضلا عن الجسدي تجاه أبنائهم، فكم من كلمة جارحة أو مسيئة كانت العامل في فقدان الطفل لثقته بنفسه، وأخرى أضرت بمستقبله الدراسي لتقصير معين منه كان ينبغي معالجته بالنقاش معه وتشجيعه، وأخرى أصابته بضمور اجتماعي فاختار العزلة وأصابه رهاب اجتماعي وهكذا، فالطفل يحمل من أسرته كل المزايا الإيجابية أو الصفات السلبية، وهذه البيئة تعزز شخصيته إن لقي فيها المقبولية والترحاب والأمان الحب الأسري، وقد تعرقل مسيرة حياته وتصيبه بتشوهات في مشاعره تجاه الآخرين إن وقع ضحية لأي لون من العنف.

ويا لها من طفولة بائسة يحياها بعض الأطفال إذ امتزجت بمواقف وذكريات مؤلمة، يستذكرون منها الألم النفسي والجفاف العاطفي والإهمال والمضايقات الانفعالية المتكررة لأسباب بسيطة لا تستحق ذلك الصراخ في وجهه وتوجيه العبارات القاسية له، وبعض الأطفال يخرج لهذا المتسع من العلاقات المتشعبة دون أن يكتسي جسده بريش الثقة بالنفس وخبرات وتعاليم يتلقاها من والديه ليطير في عالم المثابرة والنجاح، فضغوطات الحياة والصعاب تتناثر في دروبهم وتحتاج إلى حداقة فكر وهدوء نفس وصبر للتعامل معها والتغلب عليها وتجاوزها بلا أضرار، ولكن طفولتهم لم تحمل مظاهر الاهتمام والمتابعة والتوجيه التربوي؛ ليواجه تلك المواقف والمشاكل بضعف نفسي وشبه جفاف عاطفي جعلته في مهب الرياح يترنح وتتقاذفه الحياة إلى مكان بعيد.

البيئة الأسرية محل طمأنينة وأمان وتفاعل وعطاء متى ما كانت علاقة الوالدين مستقرة وقائمة على التفاهم والمحبة والحوار، وأما حالة الاضطراب والمشاحنات والخلافات المستمرة، والتي تكون على مرأى ومسمع الأطفال الذين يرهبهم هذا المشهد ويخطف منهم الأمان الأسري، بالتأكيد ستلقي بظلالها الوخيمة على نفسية الأطفال وتبقى تلك الألفاظ النابية أو الكلمات الجارحة تتردد في خيالهم، ويتجه هذا المشهد المتوتر بالأطفال إما نحو الرهبة والانزواء أو اتخاذ أسلوب العدوانية والعنف كطريقة للدفاع عن النفس وبسط علاقاته مع الآخرين، بخلاف ما يدور في أذهانهم من مستقبل مجهول يهدد وجودهم تحت ظل والديهم وما يحملونه من تصورات تصيبهم بالهواجس، فأي مستقبل واعد نتحدث عنه أمامهم وقد انكسرت نافذة الأمل والطموح من نفوسهم، وأضحى أقصى أمنياتهم أن لا ينهدم مسكنهم الأسري.

وكيف لنا أن نتحدث عن المحبة والاحترام كأساس للعلاقات التي نعقدها مع محيطنا الأسري والاجتماعي، وهم يشاهدون ما يناقض ذلك تماما من إهانات وإساءة وشتم وكراهية وشحذ حراب العناد والنكد بين والديهما.

هناك من العوامل المسببة للضغوط والصعوبات للأسرة كالعامل الاقتصادي ومشاكل العمل والمحيط الاجتماعي، ولكن تفهم الوالدين لطبيعة هذه الظروف والتكيف مع هذه التحديات وعدم الانسياق الانفعالي معها، سيحافظ على الاستقرار الأسري وأجواء السعادة وراحة البال، فيمارسان ضبط النفس بأقصى درجاته وهما يمارسان الدور التربوي وتوجيه أبنائهم، وإلا فإن التأثر الانفعالي مع الضغوطات سيؤدي إلى ممارسة العنف الأسري وتسعير المشاجرات والصراخ أمام أي خلاف وسوء فهم.

هي رسالة تذكير لكل أب وأم يحبان أبناءهم ويخططان لمستقبل زاهر لهم، فأبجديات الحب والتربية أن يوفرا لهم جوا من الهدوء والتفاهم والحوار لكل خلاف، بعيدا عن الصراخ والشتائم والتوبيخ الشديد وتوجيه الكلمات القاسية.