آخر تحديث: 11 / 8 / 2020م - 12:04 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ما الذي يُميّزهُ عني؟

رباب اسماعيل * صحيفة الرأي السعودي

من الأعراض المرضيّة للتزاحم الأخوي، نِشدانُ المساواة المُطلقة بالأخ موضع الغيرة، لماذا يتمتع بهذهِ المَلَكة التي تعوزني؟.

يبتدع الكاتب التونسي الفرنسي جيرار حدّاد هذا المُصطلح الدّال على حالة الغيرة بين الأخوة، ويُحيله على طور المرآة المفهوم الذي بلوره «جاك لاكان» في دراسته للنرجسية، والتي يصل من خلالها «حدّاد» إلى أن الجزء الناقص، أو حالة النقص التي يتوهمها الرائي في المرآة، إنما يستأثر بها أخوه.

هذهِ المشكلة التي لا يقع فيها الأفراد فقط بل دول ومجتمعات وحضارات. ومن هنا تبدأ غالبية مشكلات العلاقات الإنسانية، بغض النظر عن نوعها وما تحمله من مشاعر حب أو بغض، إذ إن المسألة تتحدد بالتنافس واتجاهه، حيث نجد الكثير من علاقات الأخوّة، القرابة، الصداقة، والزواج، رغم ما تحمله من ودٍّ إلا أنها لا تخلو من لسعات الغيرة.

صحيح أن الغيرة فطرة إنسانيّة طبيعيّة ومطلوبة كدافع وجودي من أجل حفظ الذات وتطويرها والبحث عن حياة أفضل، إلا أن هذهِ الفطرة بالذات تحتاج لتوجيه ومراقبة الأهل مع صغارهم، والكبار مع ذواتهم، إذ غالبًا ما تكون هذه الفطرة مستترة بالأعماق، أو متنكرة على هيئة سلوكيات مُختلفة.

النقص وحده لا يولّد الغيرة، فالامتلاء سبب وجيه لشراهة إضافة امتيازات الآخرين إلينا أيضًا.

«اعرف ذاتك» هذهِ العبارة السحريّة لو أضأنا بها دواخلنا دومًا، وقرَّعنا بها الأوهام التي تُصيبنا لعشنا بسعادة أكبر.

معرفة الذات التي تُتيح لنا الوصول لنقاط القوة والضعف، القدرات والمواهب، فنعمل على بلورتها والاشتغال عليها، بدلًا من استنزاف طاقتنا في الانشغال بما لدى الآخرين ومحاولة استنساخ ميزاتهم.

إن كل إنسان في هذا الوجود هو حالة خاصة تمامًا بما يحمله من تكوين بيولوجي ومجتمعي، إن اختلاف ملامح الوجه، واختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والثقافية، كل ذلك يعني أن لكل سياق نتيجة وشخصية مُختلفة، مهما بدت مُتشابهة بمن حولها، إلا أن هذهِ الخصوصية لا تنجح في الظهور إلا من خلال معرفة الذات.

على العكس من ذلك يبدو الجهل بالذات كحالة من العدم والفراغ وفقدان الهوية الخاصة، التي تدفعنا إلى أن نعكس أي ضوء يُصيب الآخرين نحونا.

تعمل الغيرة كما تعمل عمليات التجميل غالبًا من محاولة تغيير ملامحنا الحقيقية، واستنساخ حياتنا وذواتنا بآخرين، إذ نفقد خلالها الفرادة والتميّز وندخل في حالة من التكرار والتنميط.

التغيير حالة صحيّة، وتحسين نمط الحياة مهارة مطلوبة ما لم تأت من محاولة تحصيل ما لدى الآخرين والدخول معهم - لا مع الذات - في حالة من التنافس الحارقة التي تُفقد الإنسان متعة الإحساس بالنعم حوله، وشكر الله عليها.

ما نملك وما نفقد هو حالة من التوازن الكوني، لا بد من النظر لها بوعي وحكمة من أجل إدارة مشاعرنا وطاقتنا في اتجاه السلام والنماء.

شاعرة وكاتبة من العوامية