آخر تحديث: 29 / 9 / 2020م - 12:31 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الجريمة.. المجتمع

محمد أحمد التاروتي *

السرقة سلوك أخلاقي مرفوض، لدى الصغير والكبير، باعتبارها تعدي واستيلاء على أملاك الغير، بدون وجه حق، ”والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم“، خصوصا وان انتشار السرقة يهدد التماسك الاجتماعي، ويقوض السلم الأهلي، مما يرفع درجة الشك في النفوس تجاه بعض الأشخاص، وبالتالي فان الجريمة تمهد الطريق امام الكثير، من الممارسات السيئة في البيئة الاجتماعية، بحيث تبرز على شكل اصدار الأنظمة والتشريعات، لمنع سريان هذا السلوك لدى الافراد.

الجميع يتخذ موقفا معارضا، لمختلف أنواع السرقة، الامر الذي يفسر الحذر من أصدقاء السوء، وأصحاب السوابق، نظرا لخطورة هذه الشريحة على المجتمع، باعتبارها بذرة فاسدة، وقادرة على بث ثقافة مخربة، في الممارسات اليومية، مما يفرض وضعها في دائرة الخطر على الدوام، وبالتالي فان الموقف الرافض يمثل ثقافة اجتماعية، لتصحيح بعض المفاهيم المغلوطة، او الملتبسة في التعاطي، مع بعض الممارسات غير المستقيمة، نظرا لانعكاسات مثل هذه الاعمال، على نظافة البيئة الاجتماعية بشكل عام.

الجريمة متكملة الأركان تواجه بالقانون، مما يدفع الجميع لمحاولة الالتفاف على تلك الأنظمة، عبر استخدام الأساليب الملتوية، بهدف تجاوز الخطوط الحمراء، والوقوف في المنطقة الامنة، خصوصا وان تبعات الجريمة كبيرة، وأحيانا مستمرة لفترة طويلة، الامر الذي يتطلب تحريك الثقافة الاجتماعية، باتجاه صياغة مثياق موحد، للحيلولة دون احداث فراغات كبرى، في المحيط الاجتماعي، لقطع الطريق امام استغلالها بطريقة سيئة، مما ينعكس بشكل مباشر على التركيبة الثقافية في العقل الجمعي، وبالتالي فان التحرك الهادف لمقاومة الجريمة لا يستهدف حماية الفرد، من براثن الاعمال السيئة فقط، وانما الحفاظ على المجتمع من الوقوع في المياه الاسنة، بحيث تظهر على شكل سلوكيات غير مقبولة، في العديد من الممارسات الخارجية.

الخشية من ردود الفعل السلبية، تجاه ارتكاب الجرائم الصريحة، شكلت محركا أساسيا للبحث عن طرق أخرى، للانخراط في سلك الجريمة بطريقة غير مكشوفة، حيث تتخذ تلك الجرائم اشكالا مختلفة ومتعددة، بيد ان القاسم المشترك يمثل الحصول على المكاسب، بعضها مادي والبعض الاخر معنوي، حيث تختلف الأهداف تبعا لغايات أصحابها، وبالتالي فان السلوك الاجرامي غير المنضبط ينشر الرعب في المجتمع، ويقضي على العديد من القيم الأخلاقية، التي تؤطر العلاقات الإنسانية، في الممارسات اليومية.

إمكانية النفاذ لممارسة الجريمة ”الخفية“ ممكنة، حيث يتحرك البعض لانتهاج سياسة ”التخفي“، واظهار الوجه البرئ، وإخفاء الوجه الاجرامي، بهدف تحقيق العديد من المكاسب على الصعيد الاجتماعي، لاسيما وان ابراز الوجه الحقيقي تكون تداعياته سلبية، في المحيط الصغير، وكذلك في الوسط الاجتماعي الواسع، مما يفرض اتخاذ أساليب متعددة، لتجاوز معضلة الرفض، والانخراط في سياسة الخداع والمكر، لاحداث اختراقات حقيقية على الصعيد الخارجي، بحيث يظهر على العديد من الممارسات، ذات المدلول ”الإنساني“، فيما تستهدف الحصول على مكاسب، ليست نظيفة على الاطلاق.

الثقافة الاجتماعية المهادنة لاصحاب ”الخداع“ والمكر، يشجع على المزيد من الانخراط في عالم الجريمة ”الخفية“، خصوصا وان القبول الاجتماعي لبعض الشرائح الاجتماعية، ذات التاريخ الحديث في النفود السريع، يدفع العديد من الفئات الاجتماعية لمحاولة الاستفادة من خبرات، تلك الشرائح لتحقيق المكاسب السريعة، الامر الذي يمهد الطريق لاتساع الدائرة بشكل مخيف، بحيث تشكل ثقافة اجتماعية مقبولة، وبالتالي فان المجتمع القادر على الإمساك بزمام الأمور، يقطع الطريق امام انتشار الجريمة ”الخفية“، في الممارسات الخارجية.

الوقوف امام مختلف اشكال الجريمة، يفضي لحالة من الاستقرار الداخلي، والخارجي، نظرا للانسجام التام بين القناعات الذاتية، والتطبيقات الخارجية، لاسيما وان الاختلاف في السلوك الأخلاقي، لا يخدم البيئة الاجتماعية، ويمهد الطريق امام الكثير من الاختلالات في المجتمع، الامر الذي يتطلب تعزيز الثقافة الاجتماعية الرافضة، لكافة اشكال الجريمة بالمجتمع.

كاتب صحفي