آخر تحديث: 3 / 3 / 2021م - 1:14 ص

الله أي دم في كربلا سفكا؟!

سلمان محمد العيد

في كل عام ومع مطلع شهر محرم الحرام، يستمع الشيعة الى قصيدة «الله أي دم في كربلا سفكا»، هذه القصيدة التي تعد من اشهر قصائد رثاء الحسين بن علي ، مثلها مثل «احرم الحجاج» و«وإن كان عندك عبرة تجريها» و«وجه الصباح عليّ ليل مظلم»، فلا يوجد شيعي إلا وهو يحفظ «كل أو بعض» هذه القصيدة، التي تعد من مفاخر الرثاء الحسيني، لما تحمله من معان سامية، وعبارات أدبية رائعة.

هذه القصيدة من روائع السيد جعفر الحلي النجفي «وهو من أبرز شعراء المنبر الحسيني»، وقصيدته في مقدمة القصائد، لما تحتويه من تصوير بديع لحادثة عاشوراء، وما تحمله أيضا من صور فنية.. هذه القصيدة، كنت أسمعها، وحفظت جزءا منها، وأتفاعل كثيرا حينما يأتي الخطيب على قراءتها، فهي تتحدث عن عدة موضوعات ابرزها:

- إن الثورة الحسينية مبدئية، انطلقت ضد الفساد السياسي والأخلاقي الذي سار عليه الخليفة الأموي يزيد بن معاوية.

- ان الثورة الحسينية مبدئية، حملت قيم التضحية، والشجاعة والبطولة، وقدّست كل هذه القيم

- إن الثورة الحسينية مبدئية، لها بعد تاريخي في الصراع بين الحق والباطل، حاول البعض ان يحرّفه ليظهر كأنه صراع قبلي بين بني هاشم وبني أمية، فبنو امية اعلنوا «عنصرية » موقفهم بأنهم قاتلوا الحسين بغضا لأبيه، وأخذا بثأر عثمان بن عفان، بينما الحسين أعلن عن نفسه بأنه جاء من اجل الاصلاح.

- الثورة الحسينية مبدئية، انطوت على مأساة وجريمة، وعلى موقف من قبل الشيعة الذين أعلنوا موقفهم المبدئي أيضا المستمر طوال العمر حزنا على ابي عبد الله، وانحيازا للحق.

***

- يقول السيد الحلي في قصيدته، التي جاءت على بحر البسيط، والذي سمي بسيطا لبساطته وسهولته، وقدرته على تصوير المعاني، يقول:

الله أي دم في كربلا سفكا  *** لم يجر في الأرض حتى أوقف الفلكا
وأي خيل ضلال بالطفوف عدت  *** على حريم رسول الله فانتهكا

إن الشاعر في مطلع هذه القصيدة، يجري عملية تمهيدية لما يريد قوله، وما يريد تقديمه الى المتلقي، ولا شك أن المدخل هو المحفّز للقاريء لإكمال القصيدة والاستمتاع بمحتوياتها، ويبدو أن الشاعر قد كان موفقا بنسبة عالية حينما بدأ بكلمات واضحة سهلة المتناول، لذلك تجد ان هذا المطلع صار اشبه بالمثل لدى عامة الشيعة، فالكل يحفظه ويكرره بينه وبين نفسه، فالبيت الأول أراد الاشارة الى أن القضية في مظهرها جريمة جرت، تتجاوب الأفلاك والجمادات لهولها، مبتدئا بالتعجب وبذكر لفظ الجلالة وأعظم ما في الوجود وهو الله جل شأنه، ويأتي بعده بلفظة «أي» الاستفهامية، فهو استفهام يفيد التعجب، لا يفيد الاستفسار، فالحادثة قائمة لا حديث حول وقوعها، بل العجب كل العجب من هولها، هذا الهول الذي انتقل الى السماء قبل الأرض. ولعمري ان هذا المدخل لايصلح غيره لتحقيق التعجب الاستنكاري من هول الجريمة، فهو يؤكد عظمة الشخصية المسفوك دمها، وكبر وهول الجريمة التي جرت بحقه، فالجريمة بحد ذاته عظيمة، فكيف بها وقد جرت بحق اهم شخصية في الوجود في ذلك الوقت، وهو الحسين بن علي .

ثم ينتقل الشاعر بعملية التفصيل، المهم، والضروري لخدمة الغرض ليؤكد ان الجريمة ليست عادية، وان الشخص المقتول ليس عاديا، وان من قام بالعملية نفذه «خيل ضلال» على حريم «خير البشر» وهو رسول الله، في اشارة الى فداحة الجرم وعظم تلك الجريمة، ولكن بصيغة أخرى، كانت شبه غامضة في البيت الأول، ثم صارت اكثر وضوحا في البيت الثاني، وكلا البيتين يخدمان حالة التمهيد الذي قصده السيد جعفر الحلي.

وفي هذا تجد حركة الانتقال اللفظي من «السماء والأرض»، وهناك حركة غير عادية لدم مسفوك ساهم في حدوث ارتجاج كوني، ما يؤكد من خلاله الشاعر ان الجريمة التي تجري في الأرض قد تحدث اثرا على ما دون أو ما فوق وما بعد الأرض، وتلك لفتة عقائدية ارادها الشاعر ملخصها ان الفساد يتم في الأرض بما كسبت ايدي الناس، فالمجرمون ينزل عليهم العقاب الرباني جراء جرائمهم واعتداءاتهم..

- بعد هذ المدخل الذي هو ضرورة أدبية للتمهيد راح الشاعر يفصّل أكثر، ولكن ضمن إطار لم يتخل عنه، ولم ينسه طوال القصيدة وهي ان المسألة «مبدئية»، والصراع قائم بين الجاهلية والإسلام بين الحضارة والتخلف، بين دعاة الحرية والكرامة والعدالة ومن يحمل نقائضها على مر التاريخ فيقول

يوم بحامية الإسلام قد نهضت  *** به حمية دين الله اذ تركا

لقد توقفت مليا عند هذا البيت، وأجهدت ذهني، وأظنني لم أصل الى المتبغي الذي يريده الشاعر، فبالنظر الى القاموس اللغوي فإن كلمة «حامية» تعني الرجل يحمي أصحابه أو الجماعة من الجيش تحمي نفرا آخر، وقد قيل ان حامية القوم هو آخر من يحميهم لحظة انهزامهم وضعفهم«.. اما »الحمية" فهي الحماسة والنخوة، فقد أراد القول بأن «حامية الاسلام» وهو الحسين قد نهضت به الحمية الدينية حينما رأى ترك الدين والخروج عنه، فهناك صراع وهناك حمية، وهناك نهضة، وهناك ردة، كلها تضمنها هذا البيت، لكن أي صراع، وأي حمية، وأي نهضة، هل هي حمية جاهلية، أو صراع طبقي، او نهضة عنصرية؟

يجيب على ذلك الأبيات التي تلته وهي كالتالي:

رأى بأن سبيل الغي متبع  *** والرشد لم تدر قوم أيه سلكا
والناس قد عادت اليهم جاهليتهم  *** كأن من شرع الإسلام قد أفكا
وقد تحكم بالإسلام طاغية  *** يمسي ويصبح بالفحشاء منهمكا
لم أدر أين رجال المسلمون مضوا  *** وكيف صار يزيد بينهم ملكا
العاصر الخمر من لؤم بعنصره  *** ومن خساسة طبع يعصر الودكا
هل كيف يسلم من شرك ووالده  *** ما نزهت حمله هند عن الشركا
لئن جرت لفظة التوحيد من فمه  *** فسيفه بسوى التوحيد ما فتكا

أي ان الإمام الحسين وهو حامية الاسلام قد رأى وضعا غير طبيعي في الإمة، والمتمثل ان سبيل الحق لا يتبعه أحد، لان سبيل الرشد بات غامضا، ولا أحد يدري مسالكه ودروبه، اي ان حالة من التخبط تسود الأمة، يتمثل في «فساد الأمة والحاكم»، اما الأمة فقد عادت الى جاهليتها، والتي تعني ان كل الجهود التي بذلت، وقام بها رسول الله ﷺ وأصحابه تذهب هباء منثورا، فالصورة هي عودة الى الجاهلية التي هي خلاف الرشد وخلاف الدين، ومن أجلى مظاهر الجاهلية هي وصول حاكم او سلطة تتسم بالفساد السياسي، والفساد الاخلاقي، والنموذج في هذا الشأن يزيد بن معاوية فهو فاسد سياسيا «طاغية»، وفاسد اخلاقيا «يمسي ويصبح بالفحشاء منهمكا»، ومن سمات فساده السياسي والأخلاقي انه قد تحكّم في العقائد والعقول قبل الأبدان «وقد تحكم في الاسلام طاغية»، ومن سمات فساده الأخلاقي مداومته على الفحشاء، وعصره للخمر، وانشغاله بالملذات.

وتنطوي هذه المقطوعة على مجموعة حقائق يجدر بنا التوقف عندها:

1ـ هناك في الأمة، من العصر القديم والجديد أيضا، من يتحدث عن سمات حسنة لدى يزيد، ويوصف بصفة لا يليق بها وهي «أمير المؤمنين»، فيأتي الشاعر ليقول إن هذه الحقيقة ليست إلا كذبة تاريخية، فهو فاسد سياسيا وأخلاقيا، وهو بعيد عن الدين، ولاعلاقة له بكل ما ينسب له من فضائل.

2ـ وهذا الفساد الشخصي لم يأت إلا من استجابة لدى الشخص لنقاط ضعفه وأتباعه لأهوائه، فالحاكم «يزيد» لا يسير وفق عقله ومبدئه، وإنما وفق أهوائه فهو لئيم من أصله، وسلوكه ينطلق من هذا اللؤم.. فهو من «العاصر الخمر من لؤم بعنصره»، أي أنه يقوم بإعداد الخمر منطلقا من تمرد داخلي في نفسه على الإسلام وهذا قد انعكس على سلوكه اليومي «ومن خساسة طبع يعصر الودكا». فهل مثل هذا الشخص يستحق ان يكون حاكما،

3 ـ هناك دين ظاهر ودين باطن، فيحدث ان حاكما ما يظهر لفظة التوحيد في فمه، لكنه بفعله وجوره وطغيانه يطعن الدين، بالتالي هناك دعوة الجري وراء المظاهر التي يتقنها الحكام الطغاة في التزي، بينما هناك أفعال تناقض ذلك.

4 ـ إن الثورة التي تجري على الحكام المستبدين، تأتي من مجموعة مصادر، أولها الطغيان، والاعتداء على المباديء والقيم، والفساد الشخصي، وهي صفات وجدت في الحاكم الأموي يزيد بن معاوية

***

- إن ثمة عوامل ساهمت في ثورة الحسين فيقول الحلّي:

قد أصبح الدين منه يشتكي سقما - وما الى أحد غير الحسين شكا
فما رأى السبط للدين الحنيف شفا"  *** إلا اذا دمه في كربلاء سفكا
وما سمعنا عليلا لا علاج له  *** إلا بنفس مداوية اذا هلكا
بقتله فاح للإسلام نشر هدى  *** فكلما ذكرته المسلمون ذكا
وصان ستر الهدى من كل خائنة  *** ستر الفواطم يوم الطف اذ هتكا
نفسي الفداء لفاد شرع والده  *** بنفسه وأهليه وما ملكا

وتنطوى هذه المقطوعة ايضا على صور فنية، تؤكد المقصد والمطلب، فالدين هنا يشكو السقام، والألم، وهو الذي شكا الى الحسين ، وهي حسب المصطلح «استعارة مكنية»، حيث شبه الشاعر الدين بشخص مريض أصابه السقم، فشكا ألمه وحزنه طالبا الشفاء، وهذا تأكيد على ان الحسين هو «حامية الاسلام» الذي سبق الحديث عنه.. وفي المقابل لم يجد الحسين علاجا لهذا الدين إلا التضحيه بـ «النفس، والأهل، والمال»، وبهذا العلاج الناجع، تحقق النصر للإسلام، واندحر جند البغي وبقى الاسلام.. عدا ان الصورة الغريبة هنا، كيف يكون علاج المرض من هلاك الطبيب، فكيف يشفى مريض بهلاك طبيبه وموته، ذلك هو الاسلام الذي شفي من ادوية الحسين وهناك تظهر صورة أخرى تكملة لما قيل أعلاه وهي ان هناك نوعين من الإسلام اسلام يزيد «وهو الاسلام المتناقض مع بعضه، فيظهر لفظة التوحيد، ويعصر الخمر»، بينما هناك إسلام آخر هو اسلام التقوى والالتزام والتضحية والخير، وقد اختصره الشاعر بقوله «بقتله فاح للإسلام نشر هدى، فكلما ذكرته المسلمون ذكا»، اي ان الحسين بقتله ظهرت الصورة الحقيقية، التي أراد تشويهها يزيد، وأراد في المقابل إيقاظ الجاهليات بشتى أشكالها، هذه الصورة كلما ذكرت فاحت روائحها، وهذه الروائح تتجسد في عدة مثل وقيم أبرزها العدالة والسلام والحرية وكلها قاتل من اجلها الحسين، وأراد ترسيخها يزيد بطغيانه وفساده السياسي والخلقي.

- وضمن التسلسل المنطقي للقصيدة، يقف الشاعر الحلي ليصف مشهد الثورة، الذي من ابرز شروطها الشجاعة، ليضعنا امام المشهد فيقول:

وشبها بذباب السيف ثائرة  *** شعواء قد أوردت أعداءه الدركا
وأنجم الظهر للأعداء قد ظهرت  *** نصب العيون وغطى النقع وجه دكا
أحال أرض العدى نقعا بحملته  *** وللسماء سما من قسطل سمكا
فأنقص الأرضين السبع واحدة"  *** منها وزاد الى أفلاكها فلكا
كسا النهار ثياب النقع حالكة  *** لكن محياه يجلو ذلك الحلكا
في فتية كصقور الجو تحملها  *** امثالها تنقض الاشراك والشبكا
لو اطلقوها وراء البرق آونة  *** ليمسكوه اتت والبرق قد مسكا
الصائدون سباع الصيد ان عندت  *** وما سوى سمرهم مدوا لها شركا
لم تمس اعداؤهم إلا على درك  *** وجارهم يأمن الأهوال والدركا
ضاق الفضاء على حرب بحربهم  *** حتى رأت كل رحب ضيق ضنكا

في هذه المقطوعة صور فنية، تدور حول مضمون الشجاعة والبطولة، ففي كل بيت هناك صورة فنية، تختلف عن الأخرى في الألفاظ وتلتقى معها في المعنى، فالثورة التي اشعلها الحسين انتشرت واتسعت، وأنزلت الاعداء الى الدرك الأسفل فهي «ارتهم النجوم في عز الظهر» كما يقول اخواننا المصريون، وصيّرت ارض المعركة معبأة بالنقع والقسطل «الغبار الساطع في الحروب»، ورغم كثافة هذا الغبار فالثائر وهو الحسين مرتفع وعال وباد جماله.

وفي هذه الأبيات تجد ان الصورة نقلت المألوف وهو الحرب، الى اللامألوف والمجنّح في الخيال، فالحرب الذي اطلقها الحسين انقصت السبع الأرضين، وزادت من افلاك الارض فلكا إضافيا وأحال الحرب الى ظلمة حالكة، لكن جماله ومحياه الذي يجلي تلك الظلمة، فهو من ناحية اراد الاشارة الى ضراوة الحرب وقسوتها، من جهة أخرى أراد القول بمبدئية ونبل الحسين وشجاعته، فضلا عن جماله الظاهري ايضا. وعاد مرة أخرى لأسلوب عرض التناقضات للوصول الى الهدف، فالنهار تقابله الظلمة، والنقصان يقابله الزيادة، فالشاعر يحلق بالخيال، ناقلا المتلقى من عالم إلى آخر وإن كانت السمة الفضائية الفلكية غالبة عليه، ويبدو انه دارس للفلك بشكل دقيق، لذلك تجد تكرار الأرضين والسموات والنجوم والأفلاك والبرق..

ورغم ان بعض الصور مكررة في الأدب والشعر العربيين، إلا أن صورا يبدو انه قد تفرّد بها شاعرنا الكبير ـ ذلك حسب علمي القاصر ـ مثل تشبيه الانصار كالصقور التي تمسك البرق لو شاءت وتصيد السباع مع الفارق الكبير في القوة بين الصقر والأسد، ففي حين يشبه اصحاب الحسين بصقور الجو التي تستعصي على الصائدين، والذين نقضوا شراك صيدهم وقطّعوها، هم أنفسهم باتوا صائدين للسباع، فالذي نعرفه أن احدا من الحيوانات لا يستطيع صيد السباع، او حتى التعامل معهم، لكن انصار الحسين باتوا صقورا وصائدي سباع، هؤلاء الصقور يمتلكون من القدرة ايضا أن يمسكوا البرق، فهم بهذه الصورة «اقوياء، شجعان، ذوو سرعة فائقة»، لذلك بسببهم وشدة بأسهم المأخوذ من قوة وعزيمة الايمان يضيق بهم الاعداء ذرعا، ورأوا بسبب ذلك نجوم الظهر..

ولعل وقفة هنا لربط المعاني مع بعضها، والصور الفنية مع بعضها، لنخرج بنتيجة هي كما يلي:

1ـ إن شجاعة أنصار الحسين هي جزء من شجاعة قائدهم.

2 ـ وهنا إشارة الى اهمية القيادة في المجتمع، فإذا كانت القيادة على قدر من الشجاعة كانت القاعدة على ذات المستوى، لذا فإن ابرز سمات القائد هي الشجاعة.

3 ـ والشجاعة تخلق المستحيل، فهي ـ حسب شاعرنا الكبير ـ تري الاعداء النجوم في الظهر، وتحيل النهار الى ظلام، لذلك قيل قديما «لولا المشقة ساد الناس كلهم»

4 ـ وربما كانت اشارة الى أن الشجاعة لا تأتي إلا من مبدأ يستحق ان يناضل الواحد من أجله، فالحسين كما في بيت سابق من القصيدة ذاتها «فاد شرع والده».. فالمبدأ نفسه هو الذي أوجد هذه الشجاعة وهذه البطولة، وهذه الإنجازات.. اليس كذلك؟

***

- ثم يمضي الشاعر بوصف المعركة، لافتا الى قضايا تاريخية، تشكل من وجهة نظره سببا للمظلومية التي نالت أهل البيت، وفي هذه المقطوعة، كان الشاعر صريحا، ومباشرا لذلك قلّت الصور الفنية، وإن كان هناك ربط بين أحداث سابقة مع احداث لاقحة، فيقول أن هناك فرقا كبيرا بين بين آل البيت وغيرهم، لكن جرى المقدور، وهي حلقة ضمن سلسلة حلقات لإطفاء هذا النور، واغتصاب الحق من أهله، وممارسة الظلم والعدوان عليهم، رغم أنهم يدعون الى الله، وينهون عن عبادة الأوثان، وبذلك يكون هؤلاء في عداء للمبدأ والدين والشرع، قبل عدائهم للحسين وآل الحسين ، فيقول:

يا ويح دهر جرى بالطف بين بني  *** محمد وبني سفيان معتركا
حشا بني فاطم ما القوم كفؤهم  *** شجاعة لا ولا جودا ولا نسكا
لكنها وقعة كانت مؤسسسة  *** من الألى غصبوا من فاطم فدكا
ما ينقم الناس منهم غير أنهم  *** ينهون ان تعبد الأوثان والشركا

وهنا إشارة دقيقة الى حالة التفاضل بين المجتمعات، ونموذجه هنا بني هاش وبني سفيان، فالتفاضل يأتي من الشجاعة مقابل الجبن، والجود مقابل الكرم، والنسك مقابل التهتك، وكلها تعطي تميزا لدى الهاشميين مقابل نظرائهم بني سفيان، الذين كانوا قد غصبوا «فدكا» من فاطمة الزهراء، وهاهم يقتلون الحسين ، ومن الأصل لم تأت نقمتهم إلا ان الهاشميين ينهون عن الشرك وعبادة الاوثان، بينما لا تحمل رسالة الأمويين ذلك، وإن لم تدع لهذا الأمر صراحة، بدليل قول معاوية: « لم اقاتلكم لتصلوا وتصوموا، واعلم انكم تقومون بذلك، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم»!!

***

- ويختم الشاعر قصيدته بذكر المأساة، فيقول:

شل الآله يدا شمر غداة على  *** صدر ابن فاطمة بالسيف قد بركا
فكأن ما طبق الأنوار قاطبة  *** من يومه للتلاقي مأتما وبكا
ولم يغادر جمادا« لا ولا بشرا»  *** الا بكاه ولا جنا" ولا ملكا
فأن تجد ضحكا« منا فلا عجبا »  *** فربما بسم المغبون أو ضحكا
في كل عام لنا بالعشر واعية  *** نطبق الدور والأرجاء والسككا
وكل مسلمة ترمي بزينتها  *** حتى السماء رمت عن وجهها الحبكا
يا ميتا« ترك الألباب حائرة»  *** وبالعراء ثلاثا" جسمه تركا
تأتي الوحوش له ليلا« مسلمة  *** والقوم تجري نهارا» فوقه الرمكا
ويل لهم ما اهتدوا منه بموعظة  *** كالدر منتظما" والتبر منسبكا
لم ينقطع قط من ارسال خطبته  *** حتى بها رأسه فوق السنان حكا
وا لهفتاه لزين العابدين لقى  *** من طول علته والسقم قد نهكا
كانت عبادته منه سياطهم  *** وفي كعوب القنا قالوا البقاء لكا
جروه فانتبهوا النطع المعد له  *** وأوطأوا جسمه السعدان والحسكا

فيختصر الشاعر المأساة في صورتين، الأولى في الحدث نفسه، والثانية فيما بعد الحدث، اما الحدث فيتمثل في قتل الحسين بالصورة التي تمت، فكانت خاتمته على يد شمر بن ذي الجوشن، الذي احتز الرأس الكريم بصورة مأساوية يصعب على الجميع تذكرها، ومن ثم ترك الجسد الطاهر على العراء ثلاثة أيّام بلا غسل ولا كفن، ومن ثم سلب اهله وعياله.. اما ما بعد الحدث فإن المأساة شملت الجميع، من الأنس والجن والوحش والطير والسماء والأرض و«وتلك احداث مثبتة تاريخيا» مؤكدا على ان حزن الشيعة لايتوقف على الحسين، وإذا رأيت احدهم ضاحكا، فهو مثل المغبون او المظلوم فقد يضحك لبعض الوقت، ولكن المسلم بشره في وجه وحزنه في قلبه.

اليس من المحزن ان الوحوش تأتي له مسلمة، بينما البشر يقومون بقتله وانتهاك حرمته وسبي ذرّيته.. اليست تلك مأساة حقيقية.

***

تلك وقفة مختصرة مع هذه القصيدة، التي يتكرم الخطباء بإلقائها في الأيام الأولى لشهر محرم الحرام، بقي أن نورد الملاحظات الفنية التالية:

اولا: القصيدة كلها، تؤكد على صراع الحق والباطل، فلا تجد بيتا إلا وهناك إشارة الى ذلك، اما بالصراحة او بالتضمين.

ثانيا: كل بيت في هذه القصيدة، إن لم يحمل صورة فنية أدبية، فهو يحمل معنى اخلاقيا ساميا، يكشف الوضع المتناقض بين ما يمثله الحسين وما يمثّله غيره.. فهناك المباديء والقيم والأخلاق، وهناك التهور والانحراف والفساد.

ثالثا: وجدنا انفسنا ونحن نقرأ القصيدة في فضاء به غبار، وطيور، وصقور، وسباع، ونجوم وأفلاك، وتقلبات مناخية رهيبة، تؤكد بما لا يقبل الشك ضراوة الصراع بين الحق والباطل، وعظمة حادثة كربلاء، وإن لم تدخل القصيدة كامل تفاصيلها المؤلمة.

على ضوء كل ذلك يحق لخطبائنا أن يقرأوا هذه القصيدة في غرة شهر محرم الحرام.. رحم الله الحلّي وأثاب الله خطباءنا الكرام، وشكرا.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
علي
12 / 6 / 2020م - 9:40 ص
السلام عليكم و رحمة الله
يوجد خطأ فادح في القصيدة
في البيت الرابع مكتوب راى سبيل الحق متبع
و الصحيح هو : رأى سبيل الغي متبع
وفقكم الله تعالى لكل خير