آخر تحديث: 27 / 2 / 2021م - 5:15 م

الذوق العام

سهام طاهر البوشاجع *

انتشرت جملة ”الذوق العام“ وترددت على مسامع الكثيرين في الآونة الأخيرة بين مؤيد لها حسب ما اقتضته قوانين الدولة وبين من جعلها مدعاة للتمازح والمرح بين أواسط المجتمع وعبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة كما اعتاد من باب ”الطقطقة“ فقط لا من باب الاعتراض على ما تسنه الدولة من قوانين.

وأتت هذه الجملة أو المقولة المتداولة بعد أن أصدر بحقها قانون يسمى ”قانون الذوق العام“ وضع فيه عدة شروط على المواطنين والعامة وعليهم الالتزام بها وتطبيقها، كعدم الإساءة إلى الآخرين لا بالاعتداء الجسدي ولا اللفظي بما في ذلك التمييز العنصري أو المذهبي والعرقي، وكذلك شملت القوانين الشوارع واحترام الممتلكات العامة من عدم الكتابة على الجدران وعدم رمي الأوساخ في الطريق العام.

وقد تبلور هذا القانون بشكل أكبر على اللباس بين ”الذكور والإناث“ فقد شدد القانون على الحشمة والستر في اللباس في المنتزهات وفي المجمعات والأسواق وبالأخص في الدوائر الحكومية وأماكن المراجعات العامة كالمدارس والجامعات والمؤسسات وغيرها.

جاء هذا القانون وفق خطة لا نعتبرها خطة دولة بقدر ما تصنف بأنها خطة مجتمع يسعى إلى رفع مستوى الذوق العام لدى أبنائه وجعل التعامل بين الناس بعضهم البعض يتسم بالرفعة والسمو والأدب في الكثير من السلوكيات المنتشرة.

كل هذا جميل وناجح يسير وفق ما خطط له إلا ما شذ وندر وخالف من البعض المتمردين على مثل هذه القوانين بقصد أو بغير قصد

فالحياة قاب قوسين بين شد العصرنة ومد الأنظمة أو التقاليد والأعراف والشباب بين متلقي بيقين وبين متردد أو مشكك في القيام بكل ما يتصدر متسع الحياة العصرية.

ذهب الشباب إلى حجة الانفتاح وبحب مواكبته فلا يعد اللباس أو المظهر ولا حتى السلوك المعين من وجهة نظره عنوان لذاته، بينما ذهب البعض الآخر بالتمسك ببعض التقاليد والتزام القوانين وشرعنتها والتقيد بما جاء فيها مبقي ولو القيل من احترام لما كان عُهد في سابقٍ من زمنه وما كان يقوم به آباؤه، ويحترم القوانين التي ترفع من شأن الذوق العام وتأخذ به إلى الرقي المجتمعي.

وبين هذا وذاك نجد النقيضين إنموذج حي يتوسط شوارعنا تاركين التقييم الحقيقي للعقوبات التي سنت إيزاء مخالفة بند من بنود اللائحة في ”قانون الذوق العام“ فقد خصصت عقوبة محددة لكل نوع مخالفة وذلك بحسب معايير وضعها المعنيين تتوافق مع حجم المخالفة وقد تم تطبيقها على بعض الأفراد في مناطق متفرقة من مجتمعاتنا لأنه حقيقة لا يخلو مجتمع مواكب للانفتاح والعصرنة من تجاوز اللوائح والقوانين لقلة الوعي تارة أو للتمرد عليها تارة أخرى وكل بما تربى عليه أو اطمأن له.

الأمر المزعج حقيقة أن يتجاوز البعض خط الذوق العام ويخلطه بقوانين إلهية شرعها الله تعالى وحث عليها الدين الإسلامي بنص قرآني أو بكلمة في السنة النبوية جاءت على لسان رسولنا الكريم محمد بن عبد الله ﷺ مما يدعو إلى النبذ والكراهية لفاعليه ليس من باب مخالفة للذوق العام بل أصبحت مخالفة للشريعة الإسلامية، كإيذاء الناس إلى حد تعريض النفس للخطر الشديد الذي لربما يودي بالحياة ويدخل في دائرة ”القتل“ سواء البطيء أو السريع فهو ”قتل“ فيه إزهاق للنفس البشرية، نبذته الشريعة بل وحرمته ونصت عليه عقوبة، وكذلك على سبيل المثال الإخلال بشروط الستر في حجاب المرأة وكشف الشعر أو شيء من الجسد مما يتعارض مع آيات الحجاب المتعددة في كتاب الله والتي أيضا نصت على متجاوزاتها بالعقوبة، فالخلط بين الذوق العام والقوانين التشريعية أمر يحتاج إلى من يفرق بينهم من كبار القوم أو مشائخ البلاد أو مربي الأجيال لأنه ما زال للوعي وعاء ينتظر من يسكب فيه قيمه ومبادئه.

كاتبة ومحررة في صحيفة المنيزلة نيوز