آخر تحديث: 6 / 7 / 2020م - 11:52 م  بتوقيت مكة المكرمة

بعض ما كشفته أزمة كورونا

وحيد الغامدي * مجلة اليمامة

مع تداعيات هذه الأزمة الصحية العالمية كان لابد أن تنعكس بشكل أو بآخر على شكل تعاطي المجتمعات معها بحسب ثقافة وأفكار ورواسب هذا المجتمع أو ذاك. وما كشفته أزمة كورونا في المجتمع السعودي يمكن أن يلقي الضوء على أعماق الذهنية الاجتماعية وكيف تفكر. بعض هذا المكشوف ليس غريباً أبداً، ولكنه يفتح الساحة لنقاش معمّق مستقبلاً، بطريقة تقول: هذه هي مشاكل الوعي لدينا، فماذا نحن فاعلون بشأنها؟

مما كشفته أزمة كورونا هو ذلك الحقد الديني الرهيب. فحين جاءت أولى الأخبار من ووهان في الصين خرجت الشماتة في المُصاب مصحوبةً بالادعاءات بأن مناطق المسلمين لم يصبها الفايروس! وكأن الفايروس لديه استشعار لفرز ضحاياه على أسس الفرز الساذجة. لنتساءل: بعد كل ما حصل من تقدم تقني وانفتاح معرفي وثقافي وتواصل مع كل الشعوب، أما زال هناك من يفكّر بهذه الطريقة؟ الغريب أنه حين غزا الفايروس بلاد المسلمين كلها حتى وصل إلى «الموحّدين» أيضاً طفحت رسائل الوعظ والحث على الاستغفار، مما يدل على أن العقل المنتج للتزييف لا يثق بعمق بما لديه من قناعات أصلاً.

مما كشفته أزمة كورونا لدينا أيضاً استمرار العزف على الوتر الطائفي، فحين ظهرت الحالات لمواطنين قادمين من إيران بدأت الاتهامات تطال طائفة بأكملها، في مسلكٍ لا يُفسّر سوى بأن الألسنة الطائفية وإن كانت قد خرست في هذه المرحلة إلا أن القلوب على ما هي عليه من كراهية، وأن مفهوم التعايش قد يستحيل في مجتمع لا يُحكم بقوة الدولة المدنية القوية التي تفرض ذلك التعايش فرضاً لخلق جيل قادم يستوعب تلك القيمة.

لدي اعتقاد بأن منع مواطنين من زيارة دولة معادية مثلاً في ظل وجود تعقيدات دينية معينة كان يجب أن يكون مقنّناً بتصاريح استثنائية لإجراء تلك الزيارات الدينية. لأنك بإزاء أي منطق ديني مثلاً، فأنت بحاجة لترك طريق يكون تحت نظرك وسمعك. لقد كان ثمن المنع المطلق دون ترك استثناءات هي تلك الحالات التي ظهرت، وأعتقد لو كانت الزيارات مصرّحة بتصاريح مثلاً فقد كان يمكن أن تتم السيطرة على أول حالة ظهرت، دون ترك المسألة بيد ضمير ذلك الشخص الذي ذهب وعاد لكي يُفصح أو لا يفصح. لكني أتوقع أن تتم الاستفادة من كل ذلك مستقبلاً.

الكثيرون ربحوا «معنوياً» من أزمة كورونا، بمن فيهم المتحمسون لنظرية المؤامرة التي تصف الوباء بأنه صنيعة أمريكية. إن نظرية المؤامرة أمر واقع وحقيقي فعلاً، ونحن في المملكة في مرمى استهداف استراتيجياتها البعيدة، ولكن التوغّل في استخدامها لتفسير كل صغيرة وكبيرة ليس تفكيراً عملياً، ويُعطي لمن يقف وراء تلك المؤامرة تضخيماً في قدراتهم لا يستحقونه. في كل شيء يفترض التوازن، ونظرية المؤامرة يجب ألا ننسفها، وفي نفس الوقت يجب ألا نُبالغ في استخدامها. أمريكا ذاتها اليوم تعاني كإحدى الدول المنتشر فيها الوباء بكثرة على مؤشر منظمة الصحة العالمية، وبشكل أكبر بكثير من روسيا! فضلاً عن التجارة والاقتصاد والخسائر التي لا تحصى لأمريكا نفسها قبل أي أحد آخر.

أخيراً.. تعليق الدراسة هذا الأسبوع، وظروف أخرى مناخية سابقاً، كشفت لنا عُمق الكراهية لدى طلابنا للمدارس، إلى درجة أن يكون هناك تهنئة متبادلة لعدم الذهاب للمدارس. هذا يضع أمام وزارة التعليم تحديات كثيرة أهمها: كيف تعمل على جعل المدرسة بيئة جاذبة؟ أما أن نخدّر أنفسنا بفكرة: أن هذا الأمر موجود في كل دول العالم، فهذا غير صحيح، وليس إلى هذه الدرجة من تبادل التهاني على مستوى أكاديميين ومعلمين! الأمر لدينا يحتاج إلى مكاشفة كاملة حول طبيعة البيئة الدراسية والجو الدراسي والمحتوى الدراسي الذي يجعل الكبار قبل الصغار يتباشرون بأي توقف مفاجئ.