آخر تحديث: 29 / 3 / 2020م - 9:32 م  بتوقيت مكة المكرمة

الوباء للمجتمع والمصل للأفراد

محمد عبد الله العيسى * صحيفة الرأي السعودي

الأمراض المُعدية التي تنتشر في الجماعات تُكافَحُ وقائيًا بتحصين الأفراد، لأن المرض إذا بدأ في الانتشار وأصبح جماعيًا «وباءً»، فإن جميع الوسائل العلاجية تصبح باهظة التكاليف وقليلة الجدوى ومتأخرةً جدًا عن إنقاذ حياة ملايين البشر.

هذه القاعدة البديهية هي التي جعلت الدول تنفق بسخاء وتتبّع بصرامة برامج وقائية كتطعيم الأطفال ضد بعض الأمراض، مثل شلل الأطفال والبكتيري الثلاثي والتهاب الكبد الفيروسي وغيرها.

كورونا، هذا المرض الفيروسي المعدي سريع الانتشار، جاء ليذكّرنا بالمخاوف والآلام القديمة التي عانتها البشرية في أزمنة انتشار الطاعون والكوليرا والجدري.

وما كان لـ «الكورونا» أن يكون على هذه الدرجة من الإرهاب لو أنّ الطب الحديث كان يعرف له علاجًا ناجعًا أو استطاع أن يصنع له مصلًا واقيًا، ولكن الطب إلى الآن لا يزال في حالة عجز عن العلاج وعن الوقاية معًا.

وهذه الذكريات المؤلمة للأوبئة الفتّاكة جاءت مصحوبةً بغبار وباءٍ من نوعٍ آخر، ألا وهو وباء الطائفية الفتّاكة الذي إذا انتشر في مجتمعٍ فتك به ونزع منه الأمن والسلام وأهدر طاقاته وموارده.

للأسف الشديد، أثبتت بعض الشواهد على أن الطائفية أكثر أصالةً ورسوخًا في بعض النفوس من التآخي والتسامح وقبول الآخر، فلا تكاد تبرز على وجه الأرض مشكلةٌ ينتمي أحد أطرافها إلى طائفةٍ ما إلا وغفل هؤلاء عن أصل المشكلة وعرّجوا على الطائفية يتلاومون بها وكأنها هي أس المشكلة ومحورها، عملًا بالمثل المصري الشهير «مقدرش على الحمار اتشطر على البردعة».

وتستطيع أن تلحظ مثل هذه الشواهد بكثرة في الحوارات والمناكفات التي تضجّ بها في وسائل التواصل الاجتماعية على مدار الساعة، حتى أوشك السباب والتنابز الطائفي الحاد عند البعض أن يكون هو القناة الوحيدة التي ينفس من خلالها عن غضبه الشديد على أي قضيّةٍ أو حادثة.

الطائفية مرضٌ فتّاك وقد يصل إلى حد الوباء المُرعب ولا يبدو أنه قد وُجِد له إلى الآن دواءٌ ناجعٌ استطاع أن يزيل المرض وليس العَرَض فقط، ولا يبدو أن هناك مصلًا واقيًا يستطيع أن يحمي المجتمعات من فتك وباء الطائفية أنجع من وعي الأفراد بطبيعة الطائفية النتنة وبمساوئها ومخاطرها الكبيرة.

عندما يرتقي وعي الأفراد إلى اليقين بأن ممارسة الطائفية لا تؤدي إلا إلى حروبٍ مستمرةٍ وخاسرة لا يمكنهم أن يجنوا منها سوى الخراب والدمار وهدر الطاقات وفقدان الأمن النفسي والجسدي والسلم الاجتماعي، وأنها ضد الأخلاق وضد الدين وضد جميع المصالح المشروعة، حينئذٍ تكون المجتمعات في مأمنٍ من شرور وباء الطائفية.

وباختصارٍ شديد، إذا كانت الطائفيةُ وباءً يُخشى منه فالوعي الفردي هو المصل الذي يُطمَأَنُّ به.

توستماستر متميز وبطل الخطابة الفكاهية في الخليج والسعودية 5 مرات