آخر تحديث: 6 / 7 / 2020م - 10:54 م  بتوقيت مكة المكرمة

من دروس «كورونا»

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

في كل حادثة دروس وعبر، تستحقُّ أنْ يتوقَّفَ الناس عندها كي يعمقوا خبراتهم الحياتية. إن جانباً عظيماً من تقدم البشرية، يرجع إلى المشكلات التي واجهتها المجتمعات، فطورت حلولاً لها وأساليب للتخفيف من آثارها، وقواعد للوقاية من تكرارها. لو لم نواجه الأمراض، لما تطور علم الطب، ولا تطورت المختبرات التي أنتجت الأدوية والأمصال.

وباء كورونا المستجد الذي يجتاح العالم اليوم، مثال على تلك الحوادث التي كشفت عن نقاط قوة جديرة بالتقدير، إلى جانب نقاط ضعف جديرة بالمعالجة. ثمة الكثير مما يستحق الذكر في هذا المجال. لكني أود التركيز على نقطة محددة، لفتت انتباهي بصورة خاصة، لأنها تكررت في أكثر من دولة خلال تجربة كورونا الأليمة.

لقد أظهر الوباء أن فكرة كون «العالم قرية» لم تعد تعبيراً مجازياً عن سهولة التواصل وسرعته. تحول العالم في القرن الجديد إلى شبكة هائلة من الوحدات المتفاعلة، التي نسميها مجتمعات أو دولاً. هذه الوحدات، مستقلة عن بعضها من الناحية القانونية، لكنها متصلة على المستوى الاقتصادي والمعرفي، اتصالاً يجعل الحياة في كل منها، مشروطة - إلى حد ما - بانفتاحها وتواصلها مع الوحدات الأخرى.

لاحظنا أن تفاقم وباء كورونا في الصين، أدى إلى أضعاف التبادل التجاري والسياحة والنقل على امتداد الكرة الأرضية. وتبعاً لذلك انخفض الطلب على البترول وأسعاره، وتهاوى العديد من البورصات في شرق الأرض وغربها. وقد حدث هذا حتى قبل أن ينتقل الوباء إلى دول أخرى، فينشغل العالم بمكافحته، من أجل البقاء على قيد الحياة.

هذا الأمر طيب بطبيعة الحال، لولا أن الوباء كشف عن عنصر نقيض، أعني به شعور جميع الدول بالحاجة إلى العزلة، وقيامها فعلياً بإغلاق حدودها الخارجية، ثم قيام بعضها بإغلاق المدن المصابة. نعلم أن إغلاق الحدود الدولية وكذلك إغلاق المدن، يتسبب في إضعاف سلاسل الإمداد والتموين، ويقلّص الاستفادة المتبادلة من فائض الإمكانات المتوفرة على امتداد العالم. ولعل أبرز الأمثلة على هذا هو إعلان العديد من دول العالم حظر تصدير المواد الطبية اللازمة للتعامل مع الوباء، خشية التأثير على المخزون الوطني.

ندعو الله أن لا يبتلي العالم بجائحة مثل كورونا في المستقبل. لكن الوباء القائم أثبت بالتجربة أن الاعتماد المتبادل مفيد وضروري، شرط أن لا نغفل الاستثناءات. كل دولة - ونحن بالتأكيد من بينها - بحاجة إلى منظومة إمداد محلية مستقلة مائة في المائة، خاصة بالمواد الضرورية للحفاظ على حياة السكان. يرد في ذهني الآن أمثلة محددة على هذا النوع من المواد، من بينها أدوات التعقيم ولوازم النظافة والوقاية الأولية. لكني أدعو لبحث تخصصي، يستهدف تحديد الحاجات الحرجة والضرورية، التي لا يصح الاعتماد في توفيرها على مصادر، لا يمكن التنبؤ بحساباتها في الظروف الحرجة، كالتي يمر بها العالم هذه الأيام. أظن أن من واجب كل دولة أن تسعى لتوفير هذه المصادر المحلية، آخذة في عين الاعتبار حياة الناس، بغض النظر عن الحسابات التجارية البسيطة.

لا يصح السماح بأن تكون حياة ملايين المواطنين، عرضة لتقلبات السوق أو لسياسات وحاجات دول أخرى. وهذا يتطلب بالتحديد أن يعمل كل بلد على تحديد الحاجات الحرجة، والعمل على توفيرها من مصادر محلية مائة في المائة.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.