آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 1:24 م

يوميات العزل الصحي «11»

أثير السادة

افرك يديك حتى يقال عنك مجنون، هكذا حال النصائح الرائجة بين الناس في يوميات المرض، وهي تجعل من النظافة طقساً خاصاً، له أساليبه التي ينهمك الواحد منهم في محاولة اتقانها، بات كل فعل يبدأ بالفرك وينتهي به، في البيت، وفي المحلات، وعلى المائدة، وفي السيارة، وعند الإمساك بمقبض الباب، أو حمل كيس من الأغراض، فجأة فرض علينا المرض أن نقضي كل اليوم بين الفركة والفركة، فإذا حضر الماء والصابون، بطل محلول التعقيم، تحاول رصد أفعالك الإرادية وغير الإرادية لتضمن بأن الفيروس لم يصل إليك أو أنه قد غادرك.

دون شك، النظافة من الإيمان، ومن الإيمان أن لا تتخاذل في محاربة الشيطان، حتى لو كان في هيئة فايروس لا يرى، هذا ما يمكن أن أقوله كواعظ في ساعات الخوف من المرض، وكما يقال الشيطان يكمن في التفاصيل، فأمسكوا بهذه التفاصيل وطهروها بالمحلول، أو بالماء والصابون، هذا العدو الذي لا يقهر حتى الآن قد أعادنا إلى أبجد هوز الدروس في النظافة العامة، وجعلنا نسقط في دائرة الوسواس، لا نلامس الحياة إلا بقفاز، ولا نثق في شيء إلا بعد تطهيره.. بالأمس كان فعلا كهذا يدخل في باب الميوعة، واليوم هو عنوان الالتزام والإيمان بأن الموت حق!.

في واحدة من رسائل التهكم في يوميات المرض، تظهر صورة كف وقد بانت عليها خطوط وكتابات قديمة، يقول صاحبها بأنه لشدة الفرك ظهرت في يديه مجدداً براشيم أيام الدراسة، الفكاهة كعادتها لا تقدم موعظة لكنها تمارس التضخيم لتقدم لنا صورة مكبرة، والصورة هنا تنبهنا إلى صورة الهوس، إلى الصورة الفاقعة التي تجعل من طقس التعقيم لليد تقليداً منهكاً ومربكاً في آن.. تستحوذ علينا الخيالات ونحن نجرب طرد الشياطين من خطوط اليد، ونستمر في ترجمة هذه الخيالات عبر الفرك، لتضمن لنا حظاً في الناجين من الإصابة بهذا الوباء.

ماذا لو كانت هذه المعقمات والصابونات مغشوشة؟.. تذهب بوسواسك إلى تلك المنطقة وأنت تقرأ تحذيرات هيئة الغذاء والدواء من استخدام أحد المعقمات الرائجة في السوق، تكتفي الهيئة بالإشارة إلى ما يحمله من مخاطر صحية للمستهلك، وهذا يكفي لتعيد التفكير في كل السلع التي وفدت للسوق وهي تحاول الاستفادة من تنامي الطلب على هذه المنتجات الصحية، فمن يضمن أن تركيبة الصابون المعروض في الأسواق، في شقه الصلب والسائل، قادرة على مقاومة الفيروس وإزالته كلياً من سطح يدك، وكيف لنا أن نميز بين صابون وآخر، أو معقم وآخر، والأسعار تتفاوت، كما تتفاوت بحسب بلد المنشأ.

عند النظر إلى أرفف المحلات، والصيدليات، تعرف تحديداً الهجوم الكبير على سوائل التعقيم، فبعد أيام قليلة من العزل الصحي، نفذت كل الكميات، وبالخصوص حجم 1000مل، ودخلت السوق فجأة أنواع لا شهرة لها، وبأسعار مبالغ فيها.. كلما عبرت من أمام صيدلية أفتح باب السؤال عن توفر المعقمات برغبة الرصد لا أكثر، فلا أجد إلا علب صغيرة جداً، لا تكاد تغطي احتياجات اليد الواحدة ليومين، إذا اتبعنا وسواس الفرك.. أجرب سؤال الصيدلي عن سبب شح هذه المنتجات، فيجيب بأن المصدر وهو مصنع بالرياض قد وجه كل انتاجه لصالح وزارة الصحة والجهات الداعمة لجهود مواجهة المرض، ولم يعد يصلنا منه شيء!.

بالأمس وجدنا الصور تشير إلى توزيع المعقمات مجاناً في شوارع العاصمة، ضمن أشكال التشجيع على الممارسات الصحية، فيما سوق المدن المحاصرة تواجه تراجعاً في المخزون والمعروض منه، إلى الحد الذي تقف فيه على باب صيدلية ويقول لك بأنه لا يملك معقمات، فتتعجب من ذلك، فيرد عليك الصيدلاني بكثير من الخفة: لا يوجد، لأننا في الصيدلية لا نحتاجه!.. بالتأكيد هي حالة استثنائية مرت بها أكثر الدول التي واجهت المرض، ومن شاهد عمدة نيويورك في القريب وهو يدشن منتج المدينة الخاص من المعقمات، سيشعر كيف أن القضية جادة وحقيقة، وأنها تأتي في سياق الأولويات والضروريات التي يلزم توفيرها للمدن الموبوءة.