آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 9:21 م

يوميات العزل الصحي «13»

أثير السادة

كطائر مهاجر يخاف الوقوع ضحية الاصطياد، يختبئ الناس خلف المسافة في مجابهة مخاوف المرض، يحتمي الواحد منهم بهذه المسافة التي يرسم من خلالها علاقته بالأشياء من حوله، وهو يعتقد بأن ما بينه وبين المرض ليس سوى خطوات، وأمتار، وأذرعة، لذلك يسلم من بعيد، ويحرص على الجلوس بعيداً عن مخالطيه، يقف في طابور السوبرماركت كطالب يتقن الدرس، فلا يقترب حتى يبتعد من هو قبله، تفادياً لخطوة متخيلة يبحث عنها الفيروس ليهجم ويغزو تلك الأجساد المتظاهرة بالعافية.

بين الأجساد والأنفاس مسافات بطول الليالي التي شغلتنا فيها أخبار المرض، تشتد قبضته وتتسع دائرته، فنوسع من المسافة بيننا وبين الآخرين، لا نرتاح إلا إذا حرسنا مشاعرنا بسياج المسافة إياه، ستجد من يهرب من نظرات الآخر في الحي، أو السوق، خشية أن يفتح ذلك باباً لاقتحام هذا السياج، لقد أفرغ الخوف المسافة من حمولتها العاطفية، فما كان بالأمس حقلاً من عواطف بات اليوم حقلاً من الألغام نخاف العبور منه أو البقاء فيه، كانت المسافة لغة، نعبر بها عن توددنا وإعراضنا، عن ثقتنا وعدم ثقتنا، واليوم يجري إعادة تهيئتها لتكون مجرد عزلة تتفتح على أمنيات السلامة، والاختفاء عن حدود التماس مع الآخرين.

حرارة العواطف تبرد شيئا فشيئا في تعابيرنا، فلا شيء يسعفنا في هذا الجسد المبلل بالخوف للإفصاح عنها، أسرف المرض في توسيع المسافة بين الناس، فذات الخوف الذي يجمعنا ويوحدنا في مواجهته هو من يدفعنا للتباعد والتدثر بمسافة ثقيلة تفرغ القلب من تجلياته الجميلة، ها نحن نلوح للأصدقاء كعابري سبيل، ونخفي ابتساماتنا خلف كمام المسافة، ونحيل أنفاسنا إلى هواء مرذول لا ينبغي أن يصل لأحد.

تلك المسافة كلما كبرت ستهبنا جفافاً عاطفياً، أو لعلها تنسينا أسرار المسافة وجمالياتها، فنعيش شيخوخة عاطفية مبكرة، يا لثقل هذا المرض الذي اختار أجسادنا وعواطفنا معاً، ويا لجمال أرواح الذين عاقبوه بتحدي هذه المسافة، من أبطال الكادر الصحي، وهم يرطبون أرواحهم بتلك الانحناءات النبيلة لفحص أجساد لا يعرفونها، يعوضون المسافة بينهم وبين من يحبون، بالاقتراب أكثر فأكثر من معاني الإنسانية.. وحدها الشجاعة والثقة تملك القدرة على محاصرة الخوف، واختراق هذا الفضاء الأجرد من العواطف.

وفي انتظار أن تنجلي هذه الأزمة، سنبقى في حنين إلى لحظة دفء نصافح فيها صديقاً عزيزاً، وعناق لآخر كنا نحلم بعودته من بلاد الغربة، إلى معاودة الالتصاق بالأماكن التي نحب دون خوف، وإلى نشوة التيه في زحام الناس، وإلى ضجيج المقاهي في ليالي الراحة، لأن الفضاءات الفارغة ليست عنوان حياة، ولأن المسافة الواسعة بين الناس ليست عنوان تواصل، ولأن العزلة لا تصح إلا لمعتكف أو هارب من ضجيج المدينة.

المسافة الآن مستمرة في الاتساع بين الناس، وبين المدن، وبين دول العالم، خلف عنوان العزل جرى الركض باتجاه قطع ما اتصل في هذه الكرة الأرضية، كلما غمرنا طوفان الخوف من المرض، أوصدنا الأبواب، وقطعنا كل السبل التي كانت بالأمس سبباً لاختصار المسافة بين الناس، هذا الكون الذي كان بالأمس قرية واحدة، أراد له المرض اليوم أن يعود أرخبيلاً من الجزر المغلقة، يخشى الناس فيه بعضهم بعضاً، ونخاف أن يهبنا طباع الشعوب البدائية، التي تأنس العزلة، وتخاف الأرواح المندسة في عتمة الأدغال!.