آخر تحديث: 29 / 3 / 2020م - 9:24 م  بتوقيت مكة المكرمة

”متى ستأتي أمي من المستشفى؟“

محمد علوي الشعلة

يبلغ من العمر حوالي عشرين سنة، كان يعاني من ”متلازمة داون“

يأتي بضحكته العفوية، بابتسامته الجذابة، وقلبه الأبيض، فينشر السعادة في أرجاء المكان،،

إلا مرةً واحدة!!

جاءني وعلى غيرِ العادة، مكفهرَ الوجه متغير اللون، دموعه عالقةً بين أهدابه!

فبادرته بالسؤال: ما بك؟

فقال لي: أُريدُ أمي!، فقلت له أين أمك؟ قال: في المستشفى، أخذوها بالإسعاف ليلة البارحة، وأنا أخاف عليها!

فقلت له: لا تقلق ستأتي وستفرح بمجيئها إليك،

نكسَ رأسهُ قائلاً: ولكن أنام مع من؟ هي من تنام معي وأنا خائفٌ عليها! أنا أُحبها!

حاولت أن أُلطف الجوَ معه بقدرِ المستطاع، وبادرت بتغيير الموضوع ولا فائدة!

باشرت معه تمارين العلاج ولمدة لا تقلُ عن ساعة ولم يفتأ عن ذكرِ أمه، وكان سؤاله المتكرر ”متى ستأتي أمي من المستشفى؟“.

وأنا لا ألوم هذا القلب البريء الذي أرهقه القلقُ على أمه، أتعبه انكسار أمه، ولم ترجع له الابتسامة إلا عندما رجعت له معافاة سالمة، مع أن عقلهُ مضطربٌ غير مكتمل إلا أن قلبهُ خفق خوفاً عليها.

وأتعجب من البعض، من الذين عافاهم الله، لا يشعرون بهذه النعمة العظيمة!

أحدهم يقول لي: أمي تخنقني بسؤالها عني، ما إن أتأخر إلا بادرتني باتصالها وسؤالها أين أنت؟!

وآخر يقول: لا أُدري لما لا أُحب الطعام من يدِ أمي!

ناهيك عن بعض الأشخاص الذين يتطاولون على أمهم بكل وقاحةٍ وبجاحة برفع صوتٍ أو تلفظٍ بكلمات غير لائقة، سيدركون مستقبلاً كم كانت بين أيديهم نعمةً عظيمة لا تعوض فضيعوها!

الأم كلمةُ صغيرة وحروفها قليلة لكنها تحتوي على أكبر معاني الحب والعطاء والحنان، لا توجد وسادة في العالم أنعم من حضن الأم!

قد يتساءل بعض الأبناء لما أمي دائماً تضيق علينا؟ وتنتقد تصرفاتنا!؟

ما لا يدركه بعضُ الأبناء أن الأم عندها هدفٌ واحد، وهو أن تجعل من أبناءها أقوياء ناجحين صالحين، فهذا هو الهدف المشترك عند كل الأمهات.

فعلى الأبناء أن يتقبلوا انتقادات أمهاتهم سواءً كانت صحيحة أم لا، والرد عليها بكلِ أدبٍ واحترام فعلى سبيل المثال يمكن القول لها: نعم يا أمي أنا اقترفت هذا الخطأ وسأحاول أن أتعلم منه، أو شكرها على نصائحها بكلِ هدوء، وعلى الأبناء أيضاً التركيز على المشاعر بدل إلقاء اللوم على الأم واتهامها بشيءٍ ما حتى وإن كان ذلك صحيحاً، وعليهم الاقتراب من أمهم في كلِ الأوقات والحديث معها والثناء عليها والتخفيف عنها.

بيتٌ بلا أم لا طعم فيه ولا لون ولا رائحة، البيت الخالي من الأم بيتاً موحشاً مقفرٌ لا روح فيه،، كلُ البيوت مظلمة حتى تستيقظ الأم!

حين تتأخر من العودة إلى بيتك، لا أحد يفتقدك سوى أمك!

حينما تنكسر، حينما تمرض، حينما تتعب، لا أحد يقفُ بجانبك سوى أمك!

حينما تحقق نجاحاً، حينما تكون الأفضل، لا تجد سوى أمكَ تدمع فرحاً!

وأقولها بكل صراحة، أينما ذهبت لن تجد أوفى من قلبِ أمك أبداً، فقلبها الوحيد الذي ينسى نفسه ويتذكرك، هي اللمسة الحانية، هي العطاء الوفير، هي التي تعبت وسهرت وربت بدون مقابل!

من يملكُ أماً يراها كل صباحٍ ومساء لا يحقُ له أبداً أن يتحدث عن الحُزن، وحينما تغادرُ أمك، تذهب، ويذهبُ كلُ شيءٍ جميلٍ معها!