آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 5:01 م

يوميات العزل الصحي «14»

أثير السادة

لا تفتح نافذتك هذا الصباح، فموجة الغبار التي حذرت منها نشرات الطقس قد اقتربت، كل الجهات تتساوى في لحظة انعدام الرؤية، لا شيء استثنائي في هذا اليوم الجديد سوى الطقس، كانت لحظات الفجر تنعش الأمل بسماء ماطرة، وفصول المشي لهواة الصحة تحكي عن استمرار هذا الطقس اليومي، خطواتهم تخيط لوحة من أمنيات العافية، يمشون ويمشي معهم خوفهم وفرحهم، حذرهم وشجاعتهم، حاجز الخوف لم يحل دون الخروج والمبالغة في استنشاق الهواء في الفضاء الطلق.

مؤشر المرض الذي تصدره وزارة الصحة كل مساء يترك فينا مشاعرنا مضاربة، باب القطيف المغلق بات يشهد القليل من الحالات يومياً، وحالات التعافي في ازدياد، غير أن باب الوطن الآن غدا مفتوحاً على ارتفاعات في مواقع ومدن أخرى، تبتهج ثم تستدرك في الحديث مع نفسك مباشرة، فما مضى كان هاجساً صغيراً تعاونا على معالجته، أما الآن فهنالك هواجس متناثرة بطول الخارطة، ما روته القطيف في سيرة المرض عادت لترويه الرياض ومكة وجدة والظهران وسواها من المدن التي استفاقت على وقع الصدمة بأرقام تتسارع في صعودها.

تتماوج بنا الأفكار، هل تعود الأمور إلى طبيعتها في القريب؟، هل نصل إلى مكاتبنا ونمارس روتيننا الوظيفي؟ هل يحمل القدر في جوفه حظا لاستعادة فصول الدراسة؟.. أسئلة تتعثر بكثرة التقارير والمؤشرات والبيانات، لا شيء يوحي بأن المعركة محلياً ودولياً في طريقها إلى الفصل الأخير، لست أحاول إيقاظ حس التشاؤم في هذا الحديث، غير أن النظر بواقعية يهبنا القدرة على الفهم والتعايش مع ظروف ضاغطة نرجح أنها ستطول.. الإجراءات صارمة، والقرارات متوالية، ونافذة المرض لم تزل مفتوحة على احتمالات عدة، نمضي معها مثل لغز، لا نكف عن محاولة فك رموزه، نسرف في الأمل ونبقي أرواحنا على أهبة الاستعداد للأسوأ.

يمشي بنا المرض يوماً بعد يوم من قلق لآخر، نتخطى عتبة الخوف الكبير من الإصابة به ونحن نستشفع بكل الأحراز المعروفة، التعقيم، والتزام البيوت، وتجنب المخالطة مع الآخرين، لكن خوفاً آخر يقبل من بعيد، وهو يفتح هواجس الغد، التعطيل الذي نال كل شيء، سيكشف عن إصابة الكثير من المناشط الاقتصادية بالضعف والهزال، وساعة ينحسر الوضع الاستشنائي ستشرع المؤسسات والشركات بمراجعة وضعها المالي، وربما إعادة الهيكلة، للتكيف مع سوق خسرت الكثير من وزنها، هناك خشية أن عاصفة كالعواصف الرملية ستطيح بوظائف الكثيرين، وستغلق أبواب الرزق على صغار المستثمرين، ليصبح الأفق الوظيفي قاتماً بمثل ما كان عليه قبل أعوام، يوم واجهت السوق انكماشاً تزامن مع تعديل أنظمة العمل، وإقرار النظام الضريبي.

سيكون خبراً سيئاً إذا ما امتد التعطيل لأكثر من شهر أو شهرين، وهو أمر متوقف على طبيعة اتجاهات المرض في الداخل، قد يتحول معها نعيم الإجازة الإجبارية إلى جحيم الإجارة من دون راتب، قبل أن ترفع هذه المؤسسة أو تلك الراية البيضاء لتجعل من الموظف في إجازة دائمة!.. الدولة أعلنت عن مبادرات عاجلة لاستدراك الوضع، فهي تعي جيداً تبعات هذه الأزمة اقتصادياً، في الوقت الذي تواجه فيه تحدياً تاريخياً يتمثل في تراجع أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها على مدى عقود!..

ها هنا المشموم تداعبه الريح، فينثر روائحه في المكان، والاعتدال الربيعي يسرد علينا وعوده الخضراء، فيما موسم“التيارم”يشاكس الربيع برياح مثيرة للأتربة وبعض الأمطار، هذا الموسم الذي يذكرني بذلك الفلاح التسعيني وهو يروي لي ذكرياته مؤرخاً إياها بالحرب العالمية، يذكرني بحكايا عن أيام التعب، ونبوءته بأنها ستعود، ولا نعلم إن كنا سنحيا لنروي للأجيال القادمة يومياتنا ونؤرخها بحرب الكورونا، فكل حاضر هو ماضٍ غداً نرويه لأبنائنا.