آخر تحديث: 3 / 4 / 2020م - 3:38 ص  بتوقيت مكة المكرمة

يوميات العزل الصحي «15»

أثير السادة *

من جديد نعبر جسراً آخراً باتجاه هواجسنا، قهقهات الفيروس ذي التاج تسمع بطول الطريق، فها هنا نحن نعبر بطيب خاطر العزل الصحي متجهين إلى حظر التجوال، إلى الليل المغلق على ثكناتنا الكبيرة، ما كان شائعة قبل أيام، وتحذيراً مبطناً، بات واقعاً جديداً ينبغي علينا التكيف مع أوامره ونواهيه، صار علينا أن نستند على جدران البيت لنراقب الليل من نوافذنا، فيما القمر يذهب إلى غفوته بعيداً عن عيون الساهرين.. البيت الذي لم يعد يسكن لكثرة ما ننثر فيه من حكاياتنا هذه الأيام، بات للأسرة هو المدرسة والمطعم والنادي والمقهى ومواقع الترفيه، سيحدثك الصغار عن جحيم الجلوس الطويل في زواياه، وسيحدثك الليل كم كنت كائناً مترفاً وأنت تفكر في الهروب إلى خارج هذا الجدران الدافئة.

بين ليلة الأمس وهذه الليلة، ليس سوى“أحزان عمود الكهرباء”، وهو يضيء الطريق لليل بلا عابرين، ينحني بظلاله على الإسفلت الذي سيرتاح من قسوة العجلات الراكضة، أطياف العزلة ستجتاح الليل بطوله، ليبقى فضاءً ممتداً من السكون، ما عاد لعيوننا مكان تجول فيه هذا المساء، حراس الليل بانتظار من تسول له نفسه اختراق الحظر والتجوال، ونحن بانتظار بزوغ فجر يقف على بعد 21 يوماً من الآن..

من المبالغة أن أقول بأني من أصدقاء الليل، لي زمن لم أسهر خارج البيت ولا داخله، غير أني من الذين يرتشفون الراحة في هزيعه الأول، وأبحث فيها أحياناً عن فسحة لالتقاء الأصدقاء، الساعات الطويلة التي نقضيها نهاراً في مكاتبنا، تجعل من الليل متكأً لباقي الفروض المنسية، والرغبات المؤجلة، نستعين به لاستعادة لياقتنا النفسية والاجتماعية والبدنية، قبل أن نحيله سريراً يأخذنا إلى نهار آخر.. لقد أحكم الفيروس خناقه علينا، وجعلنا نعتكف في البيوت، نكثر من الشهيق والزفير فهي وحدها من يرشدنا إلى استمرار الحياة.

لا ليل في الليل، وما أنحسر عن وجه النهار بفعل المخاوف المتصاعدة من هذا المرض، سينحسر مثله بل وأكثر منه في ساعات أشبه بالسجن، وتر القلق يشتد في بدايات كل تغيير، وقد يعود إلى سويته الطبيعية بعد حين، بعد أن نعتاد الغياب عن الأحباب، ونعتاد نسيان مقبض الباب، غير أنه من المؤكد بأن الساعة السابعة مساء هذا اليوم ستكون ساعة لحبس الأنفاس، ما بين سبات البيوت، ويقظة حراس الليل، وحدهم من سيقضون الليل في توفير المواد الأساسية لضمان ديمومة الحياة سيتحركون بحرية، هم المستثنون من قاعدة الحظر، وهم المعتمد في الحفاظ على جريان الماء في يوميات الحصار.

بيوتنا صغرت أم كبرت، هي متراسنا الأخير في هذه الحرب الضروس، علينا أن نحصنها بالأمل أولاً، ونعقمها عن الملل ثانياً، ونزرع فيها كل احتمالات الفرح ثالثاً، ونغسل أرواحنا من كل الظنون السلبية رابعاً، حتى نجتاز المحطة تلو الأخرى بأقل الخسائر النفسية والصحية، وحتى نعيد تأثيث الليل باللحظات الجميلة، فغداً لن يبقى من هذا الفصل الزمني - إذا انحسر - إلا ما حصدناه من عافية، وحفظناه من ذكريات عن هذا ”البعبع“، الذي سيزاحم بحضوره لاحقاً صورة دعيدع وحمارة القايلة وأبومغوي وعبدالعين، فالقلق سيتبخر ويبقى منه رذاذ خفيف يتمزج بتلك الذكريات التي سنستحتضرها مع ابتسامة رضا.