آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 5:11 م

نحو انبثاق نظام عالمي جديد

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية
ذ

كل الظروف التي نعيشها مع كورونا تؤكد أن العالم بعد الوباء سيشهد تغيرات هائلة في عالم السياسة والاقتصاد وتطور العلوم تفرض حقائق قوة جديدة

الحديث عن شيخوخة النظام العالمي الذي برز بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ليس جديداً، بل بات مألوفاً منذ سقوط حائط برلين، في نهاية الثمانينات من القرن المنصرم، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وتفرد الولايات المتحدة على عرش الهيمنة العالمية.

وفي حينه، تم الإقرار من قبل كثير من المحليين السياسيين، بانهيار النظام العالمي لفترة ما بعد الحرب الكونية الثانية، لكنهم رفضوا اعتبار تفرد الإدارة الأمريكية بميزان القوة، نظاماً عالمياً جديداً. لأن ما جرى هو نشاز في التاريخ الإنساني، ولن يقدر له أن يستمر طويلاً. يضاف إلى ذلك أن انبثاق نظام دولي جديد، تستتبعه ولادة مؤسسات ناظمة للعلاقات الدولية، تقوم على أنقاض المؤسسات القديمة، وتعبر عن موازين القوة الدولية الراهنة. وذلك ما لم يحدث حتى يومنا الراهن.

ما لدينا الآن من مؤسسات ناظمة للعلاقات الدولية، هي نتاج ما بعد الحرب، عبرت عن تعاظم قوة الولايات المتحدة، والاتحاد السوفييتي، ومثلتها بوضوح مبادئ هيئة الأمم المتحدة، التي تأسست على أنقاض نظيرتها عصبة الأمم، العصارة السياسية، لنتائج الحرب العالمية الأولى.

في هذا الحديث نتناول «كورونا» كعامل تسريع لانبثاق نظام عالمي جديد، ولا نشير للوباء باعتباره سبباً في ذلك. وحين نقول تسريع، فإننا نستلهم ذلك من دروس التاريخ. فليس اغتيال ولي عهد النمسا من قبل طالب صربي، هو السبب في اندلاع الحرب العالمية الأولى، ولكنه، كما يقال، القشة التي قصمت ظهر البعير. ذلك أن الأوضاع الدولية في حينه، كانت تستدعي إعادة تشكيل الخرائط الجيوسياسية الدولية، بما يتسق مع حقائق القوة الجديدة.

هناك في ذلك المنعطف من التاريخ، رجل مريض في الأستانة حان أوان الانقضاض عليه، وقسمة تركته بين القوى الفتية في العالم. وهناك ترهل في الديمقراطيات الغربية، وشيخوخة النظام القيصري الروسي، وجموح ألماني نحو استخدام فائض القوة، مع أزمات اقتصادية عاصفة، بات الجميع من أطرافها يقرون بها، ويعانون ذيولها.

وكان لا بد أن تترجم نتائج الحرب في لوائح، وقوانين، وإعلانات باهرة، وبروز مقولات سياسية جديدة. فكان خروج الولايات المتحدة من المحيط إلى مركز العالم، والتوغل في أطرافه، والإعلان عن مبادئ حقوق الإنسان، ونهاية الاستعمار، وإلغاء حق الفتح، وبروز مسميات الوصاية، والحماية، والانتداب، وتأسيس عصبة الأمم، ولتترجم موازين القوة الجديدة، بين بريطانيا وفرنسا، في اتفاقية سايكس - بيكو، ووعد بلفور. وتلك هي أهم معالم موازين القوة في حينه، التي تأسس النظام العالمي الجديد آنذاك مستنداً إليها.

الحرب العالمية الثانية أيضاً، لم تكن كما يؤرخ لها الدارسون، مجرد احتجاج على خرق ألمانيا الهتلرية لاتفاقية فرساي، بل كانت الأزمة الاقتصادية الخانقة، التي برزت عام 1928م، وأثرت في العالم بأسره، واستمرت طويلاً، حتى اندلاع الحرب، هي السبب الرئيسي المسكوت عنه كثيراً، لاندلاع الحرب العالمية الثانية. وكان جواهر لال نهرو في بداية الثلاثينات من القرن المنصرم، قد تنبه لذلك، وأشار إلى حتمية اندلاع حرب عالمية جديدة في رسالة كتبها لابنته انديرا، وضمنها في كتابه الشهير «لمحات من تاريخ العالم». وانتهت الحرب بهزيمة المحور، وانتصار الحلفاء. وكان طبيعياً أن يتوج المنتصرون نجاحهم، بتشكيل نظام جديد، يعكس كما في سابقه، حقائق القوة الجديدة، بين عملاقي ما بعد الحرب، الاتحاد السوفييتي، والولايات المتحدة. إنه ليس عالماً متعدد الأقطاب، بل ثنائي القطبية، قسم العالم إلى معسكرين، اشتراكي، تقف خلفه كل حركات التحرر الوطني في العالم، وتسانده معظم الدول المؤسسة لكتلة دول عدم الانحياز. ورأسمالي، تسانده دول أوروبا الغربية، وتقف معه أنظمة سياسية، وجدت في سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج كبتاً لتطلعها في كسب المزيد من الجاه، والثروة.

نحن الآن، ومنذ بداية هذا القرن، أمام حقائق جديدة، سياسية، واقتصادية، وعلمية. وقد بات الحديث شائعاً، ومألوفا، عن حتمية انبثاق عالم متعدد الأقطاب إثر الصعود الاقتصادي الكاسح للصين الشعبية، وعودة روسيا بقوتها العسكرية، إلى الواجهة. وحتى في الولايات المتحدة، تحدث صامويل هنتجنتون، صاحب مقولة «صراع الحضارات» عن بداية بروز عالم متعدد الأقطاب بزعامة أمريكية.

كل الظروف التي نعيشها مع «كورونا»، تؤكد أن العالم بعد الوباء سيشهد تغيرات هائلة في عالم السياسة، والاقتصاد، وتطور العلوم، تفرض حقائق قوة جديدة، وتسهم في انبثاق النظام العالمي المنتظر، وذلك ما سيكون موضوع سجالنا في الحديث القادم.