آخر تحديث: 1 / 6 / 2020م - 11:34 م  بتوقيت مكة المكرمة

حمامةُ الحي لا تُطْرِب

موسى الخضراوي

كثير من الناس لا يدركون قيمة ما حولهم ومن حولهم حتى يرحلوا.

علماء، وكتّاب، وشعراء، ومبتكرون، وفنانون، وقادة، وأولياء ضاعوا في مجتمعاتهم كما يضيع القش في البحر ومضوا كأنهم لم يخلقوا.

ما أصعب الإهانة، أو الاستخفاف، أو التجاهل للعظماء ممن هم دونهم، أو ممن لم يعرفوا في حياتهم سوى انتقاد الناس وإسقاطهم، وأصعبُ منه حين يكون ذلك من الجاحدين عمدا لأدوارهم، وعطاءاتهم، أو من الأحبة والأقارب.

تعلمون بلا شك الفارق الكبير بين النقد والانتقاد، فالأول علم له علماؤه وأصوله ومبانيه وأهدافه القيمة، والآخر انطباع شخصي غير مدروس ولا منصف فحسب.

كنا ومازلنا في هذا الوطن الغالي نعيش كالملائكة في أمان، وسِلم، وسعادة حتى طرأ علينا هذا الوباء القاتل فازددنا يقينا بعظمة هذا الوطن وهذه النعم التي لم نستشعر كنهها، وأبعادها إلا عند المصيبة حديثا.

كم كان بعض الناس يتغنَى على أنقاض مستشفى القطيف المركزي، ويصفه بكلمات تبعث الحسرة والألم في النفوس، وكأنه بؤرة موت للبشرية. كلمات ليس لها من الحقيقة مكان انتشرت بين الناس بمختلف طبقاتهم انتشار النار في الهشيم. ومهما تكن وسائل الدفاع لديك، ومهما كانت حججك البالغة مستمدة من الواقع، والتاريخ، والتجربة فأنت في أحسن الأحوال مشتبه ولا تعرف الحقيقة في نظرهم.

لله در المحن فكم أثبتت للناس الكثير من الحقائق التي لولاها لما عرفنا قيمة ما لدينا أو من لدينا.

إذا كان أحد حريًا بأن يشكر على القتل والأذى - تسامحا - فهو وباء كورونا الذي أجلى للناس نور بصيرتهم عندما عميت الأبصار.

كثير من الحسابات مع الله، ومع الطبيعة، ومع الناس، ومع القانون، والتعايش ستتغير رأسا على عقب بعد جائحة كورونا، وكثير من السياسات، والقوانين، والأفراد سيُشطَبون من التاريخ، وآخرون سيدخلونه من أوسع أبوابه وكيفما أراد الله.

أحيانا تشعل من أصابع كفيك تسعة ليبصر من حولك فيرى إصبعك العاشر ويسلط المجهر عليه تاركًا التسعة الآخرين تحترق بتبلّد كامل وإساءة مضاعفة.

إن السمعة السيئة التي تداولها الناس ظلما عن مستشفى القطيف المركزي وأطبائه، وممرضيه، وإدارته، وكل ما يتعلق به انتشرت في كل حدب وصوب حتى غنى بها الأصم.

كم أوضحنا وبمختلف الوسائل والبينات أن هذا المستشفى يزخر بكفاءات طبية تحاكي في إشراقها، وعطاءاتها، وكفاءاتها أعلى مستويات الطب العالمي، ولكن حمامة الحي لا تُطرِب.

وإذا أراد الله أن يظهر الحق هيأ له الأسباب، وجعله كنور الشمس يصل كل مكان ودون قيد أو شرط.

إن الإنسانية تجلّتْ في أبهى صورها في هذه الأزمة العظمى في مستشفى القطيف المركزي بكلياته وجزئياته حتى غدت مشعلًا لكل زمان ومكان. وما هذا التفاني والإيثار والتضحية بالنفس والنفيس، وهذا الإخلاص في أداء الرسالة من كوادره إلا برهان أرادته السماء لنشر الحقيقة المغيبة عبر الأجيال.

لا يعرف عظمة الجهود الصحية وتوابعها إلا المتفانون ليل نهار في عملهم من الكوادر الذين يحاكون ملائكة الجنة بإشرافهم على خدمة القادمين إليها صباح مساء.

تركوا بيوتهم، وأحبتهم، وفلذات أكبادهم تقديرا للمسؤولية وأملًا في إسعاد الناس قربة لله تعالى فحسب؛ فكانوا كعلي وفاطمة والحسن والحسين «ويطعمون الطعام على حبّه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا».

يتبادلون الأدوار، والخبرات، والعطاءات فيما بينهم وكأنهم نحل الفردوس المقدس.

من المعلوم لدينا جميعا أن رسالة الطب من أجل الرسالات، وأقدسها، وأطهرها على الإطلاق فكيف إذا امتزج النور بالنور وكانت الرسالة وصاحبها وجهين لنور واحد.

تستحقون - منسوبي الصحة - بعملكم البطولي، وجهادكم المقدّس هذا أن نفرش لكم القلوب سجادا، ونقبل رؤوسكم وأيديكم ما بقي الدهر.

خلَّدَت أعمالُكم أسماءكم في صحيفة قائم آل محمد، وجعلتكم من صفوته وخاصته وأهل مودته، فهنيئا لكم هذا الاصطفاء، وهنيئا للوطن وللقطيف هذه الطاقات الإنسانية الرسالية العظمى.

أثبتم للعالم بأسره أنكم مناهل علم ومعرفة وإنسانية تسحق الخلود.

وما قدَّمتْهُ الدولة لكم من جهود واحتضان ومساعدة وجهد دؤوب ومتابعة مستمرة ومعايشة في هذه الأزمة يعكس اهتمامها بكم، وبالمواطنين والوطن. لذلك توجّبَ علينا جميعا أن نشكرها شكرا لا يُحَد ولا يُعَد على هذه العطاءات غير المحدودة.

ولا شك لدينا أن المسؤولين في وزارة الصحة سيبادرون بعد الأزمة مشكورين بتوفير كل احتياجاتكم من أجهزة، ومعدات، وموظفين، وطواقم، وخبرات، وخدمات لوجستية لتزدادوا ألقاً في سماء وطننا الغالي.

محبتي لكم فردا فردا بحجم إنسانيتكم وعطاءاتكم غير المحدودة، ودعائي لكم مع كل نبضة قلب.