آخر تحديث: 31 / 3 / 2020م - 9:40 م  بتوقيت مكة المكرمة

حضارة بأكملها على المحك!!

محمد الحرز * صحيفة اليوم

على غرار مقولة ميلان كونديرا الشهيرة «الحياة في مكان آخر»، أصبح العالم يعيش الآن في مكان آخر، لا شيء فيه لم يجرفه فيروس كورونا ويأخذه إلى المجهول، لا شيء في حياة الناس لم تطله يد كورونا السريعة القاتلة، لا شيء لم يتزلزل من مكانه ويذهب بطريقة دراماتيكية إلى الموت، كأن العالم أصبح فجأة في مركب صغير في وسط البحر، تلطمه الأمواج من كل الجهات ولا سبيل إلى النجاة.

قبل شهور قليلة كانت المنازعات السياسية والحروب بين سياسيي الدول وصراعاتهم المدمرة تتصدر واجهة الإعلام العالمي، وكانت كاميرا الإعلاميين تلاحق أخبار المشاهير والنجوم في أدق تفاصيلها في مجالات السينما والرياضة والغناء وأزياء الموضة، وكانت الشركات الكبرى لا تشغلها سوى تراكم رأس المال من خلال البحث عن فتح المزيد من الأسواق في سياق عولمة مجنونة، ابتلعت حياة الناس ولم تبق لهم هامشا، ولو صغيرا؛ كي يفكروا في نقد التجربة اليومية في إدارة أسلوب حياتهم وطريقة التفكير فيها. وأصبح بالتالي الاستهلاك هو القيمة المطلقة التي تسيدت الحياة الغربية بالدرجة الأولى، وهذا بدوره أدى إلى وجود صفة أخرى اتسمت بها الشخصية الغربية ألا وهي الأنانية، وعندما اربط هذا بذاك، لا يعني المجتمعات الغربية بالمطلق، وإنما أعني تلك المجتمعات التي خضعت بالكامل لأسلوب الحياة التي فرضتها العولمة الاقتصادية أو «النيوليبرالية» كأمريكا الشمالية وبعض دول أوروبا الغربية.

لكن بين ليلة وضحاها انقلب الوضع تماما، بدأ الإعلام يبحث عند الأطباء وخبراء الأمراض المعدية عن إجابات شافية عن مرض كورونا، وبدأ السياسيون في أغلب الدول لا يخطب إلا وبجانبه خبير وعالم في الفيروسات أو عالم في الطب، وأصبح الخوف يحتل مساحة شاسعة في حياة الناس اليومية، ومع كثرة الموتى ومنظر التوابيت في المستشفيات وهي تساق إلى المقابر أو المحارق، ومع أيضا السباق المحموم لشراء السلع واصطفاف الناس في طوابير تعلو وجوههم هواجس الرعب، ومع الخلافات التي بانت بين دول الاتحاد الأوروبي في علاج هذه الأزمة، أصبحت قيم الحضارة الغربية التي كان يصدح بها في خطابه في كل شاردة وواردة كالوحدة بين دوله وحقوق الإنسان والحريات.. ألخ

بيد أن هذه الصورة التي أربكت العالم، ووضعت الحياة الأوروبية على المحك، لا تعني طلاقا بائنا، فالنقد في مثل هذه الحالة للغرب ينبغي أن يوضع في سياقه العام، ولو أخذنا على سبيل المثال البعض من الإيديولوجيين العرب أصحاب مواقف أقصى اليمين من مختلف التوجهات الذين وجدوا في الأزمة الحالية التي تواجهها أوروبا وأمريكا بسبب فيروس كورونا والكوارث التي نزلت كالصاعقة على حياتهم فرصة مواتية كي يعيدوا ما درجوا على التحدث به كلما حلت كارثة في العالم من قبيل: هذه عواقب الابتعاد عن طريق الدين والانغماس في الماديات، إلى آخر هذه التبريرات، أو أن هذه حرب بيولوجية هدفها القضاء على المسلمين من طرف أمريكا أو هدفها القضاء على الصين كقوة اقتصادية صاعدة، أو القضاء على السلطة الإيرانية بزعمها.

لكن ما يتم التغافل أو السكوت عنه عند هؤلاء هو أن مواجهة أزمة كورونا في الأنظمة الغربية اختلفت عنه تماما في الأنظمة الديكتاتورية أو الشمولية، بسبب اختلاف النظامين. الأولى ترى الشفافية في الحديث عن الأزمة، وأن من حق الفرد أن يعرف كل صغيرة وكبيرة عنه هو من صميم قواعدها، بينما الأخرى لا ترى إلى ذلك من سبيل، وأن من حقها ألا تبوح به حفاظا على أمن الدولة. لكن المفارقة أن الكثير يستشهد بالصين لنجاحها بسبب نجاعة أسلوبها ونظامها في التعامل، ويحيل الفشل للغرب بسبب جبروت أنظمتها. والسؤال الذي أود أن أختم به المقالة: لماذا لم تبادر الصين وتعلن للعالم عن خطئها في تحذير العالم عن الفيروس، ولماذا تخفي بعض المعلومات؟ بل أنها أحالت السبب لأمريكا كما فعلت إيران. بينما ميزة الديمقراطية هي الشفافية وإدراك الخطأ.