آخر تحديث: 29 / 3 / 2020م - 8:32 م  بتوقيت مكة المكرمة

كورونا... الحقيقة المطلقة

علي أحمد الرضي

ستستمر الإشاعات حول وباء كورونا ومصدره هل هو الإنسان أو الحيوان ولربما تمضي السنون والعقود والقرون قبل أن تتّضح الحقيقة المطلقة، وتوضّح سجلاّت التاريخ أن العالم مرّ بالعديد من المواجهات مع الأوبئة منذ آلاف السنين ومنها ستة منذ بداية القرن الأخير. هذه الأوبئة الستة والتي سبقت كورونا الجديد هي ثلاثي الإنفلونزا «الأسبانية والأسيوية والخنازير» والطاعون والإيدز وإيبولا والتي انتشرت في بؤر متباعدة في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية، كما نشر في تقرير على موقع البي بي سي نهاية شهر فبراير الماضي.

الأوبئة هي حرب من نوع آخر لكنها تفتك العباد وتدع البلدان خاوية على عروشها اذا لم تصدّ وتقاوم وتعالج حتى تهزم وتتلاشى حيث قضت الأنفلونزا الأسبانية على ما يقارب خمسين مليون إنسان كما اصطاد مرض نقص المناعة المكتسبة «الأيدز» حوالي 36 مليون مصاب، وتوفي من جرّاء بقية الأوبئة عشرات الآلاف من البشر. ولأن إجمالي عدد سكان العالم تضاعف 4 - 5 مرات خلال القرن الماضي يتضح أن وباء الإنفلونزا الأسبانية والأسيوية كانتا الأشدّ فتكاً حيث توفي منهما 26/1000 & 10/1000 بالتوالي كما أصاب مرض الأيدز 9/1000.

غالباً، الصدمات تحدث بشكل مفاجئ إلاّ ما ندر والضحية من يكون في الأمام ومن يخاطر ويتلقى الصفعة تلو الصفعة حتى يفيق ويحاول أن يقف ويستعد للمواجهة والمعالجة. كما لاحظنا أن وباء كورونا الجديد انطلق من الصين وأصاب العديد من الصينيين مع بدأ انتشاره قبل نهاية شهر يناير الماضي حيث أصاب خلال ستة أسابيع أكثر من 80 ألف نسمة ثم نجحت الصين في إيقافه بل تمكنت سريعاً من معالجة أكثر من 90% من المصابين. وتخبرنا ارقام النصف الثاني من شهر مارس الحالي أن الوباء على حين غفلة انتقل إلى أوروبا وأمريكا بذات السرعة وأمست الأرقام تزداد وتتضاعف. وحيث العدد 100 ألف مصاب الأولى سجّلت في الأسبوع الأول من الشهر مارس بعد ثمانية أسابيع من انتشار الوباء، هذه الفترة وقبل نهاية الشهر اقتربنا من 500 ألف مصاب حيث وصلنا إلى أن تضاف 100 ألف أخرى كل ثلاثة أيام.

ما حدث من انتقال للوباء عبر الأجساد من قارة إلى قارة ومن دولة إلى أخرى هذه العملية وإفرازاتها تجسّد مفهوم العالم القرية وخطوطها المتشابكة خير مثال للأوردة والشرايين والشعيرات التي تنتشر بين أجهزة وأعضاء جسد كل كائن. وهذا ينبؤنا إلى المتغيّرات عبر الأزمان حيث الجار قديماً محدد بعدد من البيوتات القريبة التي لا يمكن أن نستغنِ عنها وفي المدينة يتسع قطر الجيران ليشمل أقصا الأطراف والذي يمكن الوصول إلى بيوتهم في فترة وجيزة واليوم وسائل النقل المتعدّدة توحّد الإهتمامات وتعزّز الإرتباطات وتختصر الأوقات والمسافات.

وبالرغم من الإثارة والتركيز الإعلامي على تطورات كورونا، لا جدال أنّ عدد المتوفين جرّاء الإصابة بالوباء غير مرتفع مقارنة مع الأمراض الرئيسة الأخرى كأمراض السرطان والقلب والسكتات الدماغية وصعوبة التنفّس وإلتهاب الرئة والإسهال وهذه الأمراض يختلف تواجد بعضها في منطقة عن أخرى حسب مستوى المعيشة والطبيعة وصخب الحياة والهدوء ومتوسط العمر وغيرها.

ماذا استفدنا من تفشي وباء كورونا؟

من البديهي القول أن الإستلام للوهن والكسل وباء علينا مكافحته بالتفكّر والنشاط والإبداع. هناك من يرى أنّ تعطّل المدارس والأعمال وتقييد حركة التنقّل والإزدحام في مراكز التموين والأسواق كأنّها غيمة سوداء شلّت الحركة والإقتصاد والزيارات وقرّبت بين أفراد الأسرة الذين كان تجمّعهم نادر والحقيقة ما ذكر هنا هو لون واحد من عدة ألوان متعدّدة حيث لا يمكن حصر الأفكار الإبداعية التي طرحت من شتى أطياف المجتمع في وجه هذه الظروف التي أفرزتها الخطوات الوقائية الإحترازية، ومنها:

· التسوّق الإلكتروني في كل المجالات

· التعلّم الإلكتروني

· التخلّص من العادات الغير مأمونة

· التواصل المرئي بين الأقارب والأصدقاء

· التركيز على أهمية النظافة وغسل اليدين وتجنّب لمس الوجه

· عدم السهر

· تشجيع على إستغلال الوقت في القراءة والرياضة

والحقيقة المطلقة التي لا تقبل الشكّ، أن الإجراءات الإحترازية الوقائية والحجر الصحي الذي تم إقراره من قبل حكومة مملكتنا الغالية ووزارة الصحة هي أولاً وأخيراً لحماية ذواتنا نحن المواطنين من الوباء، ومن ثم خفض إمكانية إنتشاره عبر المخالطة والتجمّعات وحصره في نطاق ضيّق للتعامل معه والقضاء عليه.

نسأل الله أن يديم الأمن والأمان والصحة على العباد والبلاد.