آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 1:24 م

يوميات العزل الصحي «19»

أثير السادة

بلا نكهة يطل يوم الجمعة من خلف الأبواب الموصدة، له سكونه المعتاد الذين يذكرنا ببداية العطلة الأسبوعية، ما عدا التجمعات المبكرة في أول الصباح عند بوابات الهايبرماركت، هذه الأسواق التي انقلبت فيها المواعيد، وتزاحمت عليها الناس، عدد يدخل وآخر يضطر للانتظار في واحدة من الاجراءات الاحترازية كي لا تهتك المسافة الآمنة، لا شيء يذكر الزبائن بهذه المسافة ساعة تأخذهم الرغبة بالدخول والدخول فقط، عيون مشدودة إلى الداخل فلا تلتفت إلى ما حولها.

الزبائن في هذه الساعة الباكرة أكثر منهم في نهاية النهار، يقول رجل الأمن، وهو يمنع طفلاً من الدخول، واضح أن الذي يقصدون الأسواق في هذا الوقت هم بقايا اليوم الفائت، أحدهم يمسك بمحلول التعقيم ويهم بالدخول ثم يتراجع، شعور بعدم الطمأنينة لكثرة المتسوقين يجعله أسير كل الهواجس المتكاثرة.

لوهلة قد تنسى أنك في صباح الجمعة، يوم الراحة، ظلال السيارات الراكضة له وقع الأيام العادية، غير أنك تتذكر سريعاً كيف كان المكان يفيض بلاعبي الكريكت في هذه الساعات، صرخات اللاعبين التي تسمعها من نافذة بيتك، وسحنة القادمين من بلاد الهند وباكستان وهي تعيد رسم خارطة الساحات العامة في صبيحات الجمعة، كانوا يضيفون شيئاً إلى نكهة الجمعة، تتطلع في وجوههم فتجد سطوة الفرح المؤجل لهذه الشعوب المهاجرة، ودفاتر من أمنيات لم يبق الكثير من سطورها!.

ليلة البارحة كانت هي الأخرى بلا نكهة، غابت الاجتماعات الليلية، وغاب صوت دعاء كميل الذي يؤثث فضاء ليلة الجمعة، الطفولة التي اعتادت الركض في الأزقة نهاية الأسبوع، كانت حبيسة الدار، تذخر مغامراتها لمنصات اللعب الالكتروني، ورفقة الأصدقاء في المقاهي باتت من الذكريات، فقد بات الليل فارغاً من طقوسه المعتادة، والشارع فيه أضحى ملك سلطة الضبط وحفظ النظام.

الذين كانوا يبتلون بماء الإيمان في هذا اليوم لن تحملهم خطواتهم هذه المرة إلى بيوت الله، ستغيب تلك الوجوه التي اعتادت أن تتأبط سجادتها في طريق الصلاة، وسيبقى القميص المذخور للصلوات عند الوافدين معلقاً في خزانته، والموائد التي كانت تجمع العوائل الممتدة حولها ستنالها جرعة من خوف وحذر، سيتأرجح الناس في قرارهم، يجتمعون أو لا يجتمعون، غير أنهم سيحتفظون بقدر من القلق، قد يستجيبون له، أو قد يواجهونه بكبرياء.. قلق حاولت بعض المبادرات الإعلامية أن تعززه وتحوله إلى إعلان مقاطعة للاجتماعات العائلية في هذا اليوم، لتنزع من الجمعة صفته اللازمة!.

هو يوم آخر بنكهة الكورونا، والعزل الصحي، وحظر التجوال، ساعاته القصيرة ستربك الناس مجدداً، وستغير من برامجهم، لكنها لن تنسيهم ولعهم بالحرية، وبالحركة، وبالاجتماع، وشهيتهم المفتوحة على الشراء ستدفع باتجاه تنشيط خدمات التوصيل المنزلي، والتجارة الالكترونية، وباقي المنافذ التي مازالت تقاوم حواجز المرض، ومازالت تعمل على تربيتنا على الكسل الممدوح، كسل البقاء في المنازل، ومراقبة الأشياء من خلف النوافذ والشاشات، يتصفح الواحد منا أخبار الدنيا، فلا يجد إلا سقوط كل شيء وارتفاع شيء واحد وهو ضحايا هذا الوباء المريب.