آخر تحديث: 26 / 10 / 2020م - 10:10 ص

يوميات العزل الصحي «23»

أثير السادة

على المحك، كل شيء هذه الأيام يقال بأنه على المحك، تفتح التلفاز، تتصفح المواقع، تقلب المقالات، فلا تجد إلا استهلالاً واستهلاكا لتعبير“على المحك”، والمراد في الغالب أنها على محك الاختبار، وشفير السقوط، واحتمالات التأرجح، وما إلى ذلك من وعيد وتهديد، وتخريع وتخويف، صرت في هذا الفراغ الطويل أتسلى بالبحث يومياً عن عبارة“على المحك”، صحيفة القبس تقول بأن كورونا وضع الحكومة على المحك، ومثلها جريدة الأخبار اللبنانية، ومصير العام الدراسي هو الآخر جرى وضعه ”على المحك“، والشاعر الناقد محمد الحرز ينبهنا في مقالته بجريدة اليوم بأن“حضارة بأكملها على المحك”، وخليل حسين في جريدة الخليج ينذرنا بأن ”إنسانيتنا على المحك“ هي الأخرى، بل حتى مدرب الهلال على المحك بسبب كورونا بحسب عبدالكريم الجاسر، وكذلك وطنية التجار هي الأخرى على المحك برأي سعود الشهري.

مصير الكون برمته على المحك، هذه هي محصلة المطالعة في تلك المقالات والأخبار، يذهب فيها كل كاتب باتجاه التعبير عن حيرته بالإتكاء على النهايات الميلودرامية، حيث كل شيء منذور للتصعيد الدرامي الحاد، هناك تسابق لكتابة تاريخ مشئوم للمستقبل، يتحالف فيها الكاتب مع هواجسه ورغباته، ليجعلنا على دكة الخوف من القادم المجهول، لم يعد هؤلاء مشغولون برسم خارطة للأمل، بقدر انشغالهم بترجمة الضباب الذي يغطي حاضر العالم، وتمريره عبر حمولة إيدلوجية تهبه صفته السجالية.

أرباب الوعي الديني سيجدوا في هذه الأزمة تحدياً للفكر المادي والعلماني والغربي وكل الأوصاف التي تستخدم لحصار الوعي المضاد، وفي المقابل سيهاجم هذا الفريق الأخير تجليات التفسير الغيبي ومفهوم الابتلاء واستراتيجيات الهروب من مواجهة الأزمة عند المتدينين، وسيجد أنصار اليسار الفرصة سانحة لتسديد لكمة قاضية للفكر الرأسمالي، والعولمة، ولغة السوق، والرفع من قيمة الأنظمة الشمولية في مواجهة الأزمة، فيما سينشغل المعسكر الآخر بالتذكير بمتاجرة تلك الأنظمة بهذا الخوف وتعزيزها لفكرة السلطة المطلقة.

عندما تنتهي من قراءة تلك السجالات، عليك أن تعود إلى هدوئك، وتبحث عن مفاتيح الضوء في منزلك، فهذه الأنفاس التي تتحدث بلغة التحذير أو التهويل، هي في الغالب تعبر عن قلقها لا أكثر من المشي في طريق مظلم، فتجرب أن تصف ما سيكون عليه هذا الطريق وكيف سينتهي، هذه الظلمة تفتح الباب وسعاً للتوقعات، والتأرجحات، وكما في قصة الفيل الهندي، سيحاول كل واحد وصفه من زاويته، لن نعرفه بتمامه إلا في لحظة خروجه إلا الضوء. هناك حتماً ما يمكن تلمسه اليوم من تحولات وتغيرات تطال العالم بسبب حصار الوباء، وهناك ما يمكن إدراكه واستمالته لبناء رؤية هنا أو هناك، غير أن الذين تراكضوا لحسم مواقفهم، أو الرجم بالغيب، لم ينتظروا الفجر ليجلو الصورة كاملة.

الحياة برمتها دروس، ونحن في كل يوم على محك جديد، وعلينا أن لا نفرط بالأمل، ولا نصلي للخوف، يكفي أن تشرق شمس في كل يوم لتنام فينا كل الظنون المتشائمة، لننثر الصور الإيجابية على رؤوس الناس، ونحن نكتب سطوراً للمستقبل، فهذا العالم الذي بات يضيق بكل شيء، لا ينبغي أن يضيق على فسحة الأمل. حتى لو كانت عقارب الساعة تدور بخلاف ذلك، ثمة ما يمكن عمله من أجل إعادة الثقة في كون مازال الإنسان هو السيد فيه.