آخر تحديث: 26 / 10 / 2020م - 10:10 ص

يوميات العزل الصحي «24»

أثير السادة

روزنامة المرض اجتازت أخيراً يوميات شهر مارس القاسية، شهر عرفت فيه الناس بداية حياة مختلفة، وعزلة لم يعهدوها في سابق عهدهم، ظلوا خلال هذه الشهر أسارى الخوف، والترقب، والحذر، كان أهل هذا الإقليم محاصرين بأخباره وأحواله وصوره، قبل أن يتخطى الحدود ويتمدد على طول الخريطة.. شهر جديد آخر يأخذنا إلى فخاخ القادم من الأيام، يمشينا بنا بكثير من البطء، ونمشي معه بسلة من الأمنيات المؤجلة.

الناس بطبعهم يتطيرون، يحبون أياماً ويكرهون أخرى، وهم يحلمون الآن بأن تكون هذه الشرور هي بسبب مارس المقبور، لا يريدون الحديث عنه باعتباره شهر رجب المرجب، للقداسة التي تحيط بهذا الشهر، فهو شهر رحمة وعبادة، لذلك ساعة يختارون هجاء الأيام سيمسكون بالتقويم الميلادي، ويجمعون تنهداتهم على بابه.. سيلقون باللائمة على هذه السنة الكبيسة، سنة المفاجأت والأحداث الجسام، علماً بأن المرض قد أطل على الدنيا في نهاية العام المنصرم وحمل هذا التاريخ في إسمه ورسمه «Covid19».

في مواجهة هذا الوباء المجهول كان الناس في طمع دائم لسماع كل شيئ عنه، يشعرون بأن معرفته هي أول الطريق للالتفاف عليه، ومحاصرته، لذلك ينهمكون في استقبال وإرسال الكثير من الأخبار والمقاطع والصور، والتي سرعان ما تتحول إلى واجبات يومية بلا نهاية. لن تصحو الصباح إلا وقد تكاثرت في هاتفك المحمول، وصفحات التواصل الخاصة بك، أخبار الكائن المتخفي، وخلف هذه الأخبار قلق مندس يحرك في الناس شهيتها للبحث والقبض على ما يهب القلق والهدوء معاً..

في أوقات القلق سيسمع الناس حتى للعرافين، ولباعة الكلام الرخيص، وللإشاعات، فتتقاذقهم الأخبار يمنة ويسرى، يشتد فيهم وتر الخوف ويرتخي، ويقترب منهم الأمل ويبتعد، فضولهم يقهر لحظات السكينة التي تريحهم لبعض الوقت، نصيحة واحدة لا تكفي، هكذا يظنون، فيبالغون في تناول وجبات طويلة من النصائح الزائدة. الذين شاهدوا مئات المقاطع والصور، ومئات الأخبار والتقارير، سيتوهمون بأنهم قد أصبحوا خبراء في المرض، وأن لديهم خبرة تؤهلهم لنيل شهادة فيه، ولم يبق من هذه الخبرة إلا الدخول إلى المشافي ومعايشة المرضى هناك. هكذا هو الحال عندما تلتصق بنا أخبار المرض التصاق الظل، غير أنه في معظم الأحيان لا تأخذنا هذه المشاهدات والمتابعات إلا إلى المزيد من التيهان.

لقد دخلنا شهر أبريل، ومازال العزل الصحي قائماً للمحافظة، ومعه حظر التجول، لا يمكن للواحد أن ينسى ما كان عليه قبل هذه المدة من فسحة في الحركة حتى لو أخذته الأمور للتعود على الركون إلى الراحة، العودة للبيت مساءً كان لها طعم آخر في يوميات ما قبل المرض، وبهجة الأطفال في الشوارع، وصخب السيارات، وأضواء المحلات، واللقاءات العائلية، صور تنبض بالحياة، وترسم المسافة بين مشاعر الأمس واليوم، وكأن الحجر على المكان كان حجراً على العواطف أيضاً.

هل نطمع بأخبار تنجينا من القلق في أبريل حتى لو كذبة؟.. لا أحد يريد هذه المرة أن يستدعي كذبة أبريل، وبالخصوص في شأن المرض، حتى غوغل المحرك العظيم اختار أن يلغي الاحتفاء المعهود ب ”كذبة أبريل“ من صفحته، هناك قلق من أن يصبح الأول من أبريل منصة لترويج أكاذيب عن المرض، والناس بحاجة إلى مرويات صادقة تهبهم العبور إلى الحقيقة، بمثل ما هم بحاجة إلى أخبار مطمئنة لتستفتح الشهر الجديد بكثير من التفاؤل.

الحديث عن نهاية المرض هو وحده ما يبعث على الأمل، ومن يتابع الإعلام خلال الأيام القليلة الفائتة، سيجد تسابقاً لتقديم مواعيد محتملة لهذه النهاية، فالخبراء الألمان يتحدثون عن نهاية متوقعة وعودة للحياة الطبيعية قبل شهر سبتمبر، فيما الطليان يرجحون نهاية مايو، ومثلهم الأمريكان الذين يريدون له أن ينقضي بنهاية الشهر الجاري، في الوقت الذي تستمر فيه الأبحاث والتجارب لتقديم اللقاح الأول في غضون سنة إلى سنة ونصف من الآن.. أما نحن، فنصلي للتفاؤل، ونجمع ما تساقط منه على رؤسنا في المتابعات الإخبارية، وننتظر ذلك اليوم الذي نصافح فيه الحياة بكل حواسنا من جديد.