آخر تحديث: 26 / 5 / 2020م - 11:52 م  بتوقيت مكة المكرمة

معجم ألفاظ الفقه الجعفري.. إضافة علمية مرموقة إلى ميدان المعاجم الفقهية

الشيخ حبيب آل جميع *

الكاتب: الدكتور أحمد فتح الله.

الناشر: دار المرتضى للطباعة والنشر والتوزيع «بيروت - لبنان»، وأطياف للنشر والتوزيع «القطيف - المملكة العربية السعودية».

الصفحات: «552» صفحة؛ قياس «17×24سم».

سنة النشر: ط1 «1438 هـ ‍/2017م».

لفت نظر المؤلف الدكتور أحمد فتح الله أن كثيرًا من مفردات الرسائل العملية ومصطلحاتها الفقهية تتصف بالغموض وقد يخل بالقصد من الانتفاع بها؛ فالكلمات والعبارات لا تفهم بيسر لعامة الناس، ومعظم المصطلحات غير معرفة أو مشروحة، وهو أسلوب موروث عن الفترات التي كان الناس فيها قريبي عهد من تلك المصطلحات في ثقافتهم اللغوية والفقهية. ومع هذا تخلو الرسائل المطبوعة حديثًا من ملحقات تبين وتفسر غريب المصطلحات والمفردات الضرورية، في نفس الوقت الذي تخلو فيه المكتبة الجعفرية من معجم فقهي يرجع إليه الإنسان العادي غير المتفقه.

وقد دعاه إحساسه بهاتين المشكلتين «غرابة المفردات وعدم تعريف المصطلحات» وكذلك تساؤلاته وتساؤلات مَنْ حوله عن معاني المصطلحات الفقهية، والرسالاتية منها بالذات، إلى عمل معجم يجمع هذه الألفاظ ويحدد معانيها ويرتبها على توالي حروف الهجاء. وزاده حماسًا للمعجم وإقبالًا عليه وجود معاجم للمذاهب الإسلامية الأخرى مثل «معجم لغة الفقهاء» للدكتور محمد قلعه جي والدكتور حامد قنيبي، للمذاهب الأربعة، و«أنيس الفقهاء» المذهب الحنفي، وكتب أخرى مذكورة في «المعاجم اللغوية وطرق ترتيبها» لأحمد الباتلي، وكذلك وجود معاجم لمختلف العلوم والفنون حتى الحديثة منها كالتي تتصل بالحاسوب مثلًا، لتقريب تلك العلوم والفنون ولتسهيل تناولها. وفقه أهل البيت «الفقه الجعفري» لعراقة تاريخه وأصالته ولغزارة مادته ولمنهجيته المتميزة في الاجتهاد والتقليد «كان» ينبغي أن يكون لمفرداته معجم خاص كتلك المعاجم.

إن «صناعة المعجم»، كما يسميها اللغويون، ليست بالعمل السهل، وإن الخوض فيها يحتاج إلى معرفة بالعلم أو الفن الذي يراد عمل معجم له، كما يحتاج إلى إلمام بمفرداته وألفاظه، واطِّلاع على استعمال أهل ذلك العلم أو الفن لها واختلافهم فيها. ورغم هذا وجد المؤلف نفسه مندفعًا إلى إنجازه اندفاعًا كبيرًا، فبدأ يتتبع المصطلحات والألفاظ في هذه الرسالة العملية وتلك باحثًا عن معانيها وتعاريفها في الكتب الفقهية والمعاجم اللغوية وغيرها، وأخذت الأيام والشهور تمضي تباعًا في الجمع والبحث والترتيب حتى صار هذا المعجم ثمرة مجهود شاق طال وتشعب وتدانى واكتمل. وبعد الانتهاء منه نما إلى علم المؤلف صدور عملين على منوال هذا المعجم وهما: «المصطلحات في الرسائل العملية» للشيخ ياسين العاملي «الصادر في 1413 هـ ‍»، وكتاب «القاموس الفقهي» لحسين مرعي «الصادر في 1413 هـ ‍»، ولكم تمنى وجودهما طوال فترة البحث والإعداد لهذا المعجم لتوفير الجهد والوقت، حيث وجد مشقة كبيرة في الحصول على تعاريف أو معاني بعض المصطلحات، ومنها ما أخذ من وقته أيامًا بين الكتب والمراجع لاستخراج معانيها. ولكنه وجد العملين المذكورين ليسا في شمولية هذا المعجم ولا في منهجيته، فالأول مختص برسالة الإمام الخميني «قدس سره» «تحرير الوسيلة» ومقتضب جدًا، والثاني يحوي مفردات وألفاظًا أكثر من الأول لكنها أقل بكثير من هذا المعجم، ويختلف عنه في المنهج والأسلوب، وذلك بذكره للفتوى أو الحكم الشرعي في التعريف وهذا ليس مجال العمل المعجمي ولا وظيفته، وتفاوت الفتاوى واختلافها يضع الباحث أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يذكر جميع الفتاوى والآراء الفقهية حول موضوع المفردة أو المصطلح وبهذا يصبح القاموس أو المعجم كتاب فقه، أو يترك كل الفتاوى والآراء ويعرف الألفاظ والمصطلحات فقط، وهذا هو المقصد من المعجم، فحقيقة العمل المعجمي تصنيف ووظيفته تعريف.

ولكون المعجم تصنيفًا وتعريفًا، فقد اعتمد المؤلف الدكتور فتح الله على الرسائل العملية والكتب الفقهية والمعاجم اللغوية في ما يخص التعريفات. والجدير بالذكر أنه في تعريفات ألفاظ ومصطلحات المناسك «مناسك الحج والعمرة» اعتمد على تعريفات وشروحات الراحل العلامة الدكتور عبد الهادي الفضلي في تحقيقه لكتاب «هداية الناسكين» للشيخ محمد حسن النجفي، وذلك لسهولة عبارتها ولملاءمتها بل ولتطبيقها على ما واقع اليوم من أسماء أماكن وغيرها.

أما التصنيف الذي اتبعه لهذا المعجم فهو ترتيب المداخل ألفبائيًا، من الألف إلى الياء، معتمدًا الأمور التالية:

1. الاسم لا الفعل هو الأساس دون الالتفات إلى «أل التعريف». والاسم المعتمد هو المفرد لا الجمع إلا إذا كان الجمع هو الغالب في استعمال الفقهاء.

2. الحرف المضموم يسبق المنصوب، والمنصوب يسبق المكسور، وذلك لترتيب الكلمات المتماثلة في الحروف، المختلفة في النطق. فمثلًا مادة «ح. ج. ر» ترتيبها كالتالي: «حُجر»، ثم «حَجر».

3. الألف الممدودة والألف المهموزة في باب الألف. والممدودة قبل المهموزة التي رتبت حسب الترتيب المتبع لباقي الحروف، أي بعد الألف الممدودة تأتي الألف المهموزة المضمومة وبعدها المنصوبة وبعدها المكسورة، مثلًا: «آمة» ثم «أُمة»، ثم أَمة»، ثم «امتهان».

4. إذا كانت الكلمة متبوعة بصفات متعددة رتبت أيضًا حسب الحروف الأبجدية دون الالتفات إلى «أل» التعريف، مثلًا «متعلق راجح» قبل «متعلق مرجوح».

5. إذا كانت الكلمة متبوعة بصفة مرة وبغير هذه الصفة مرة أخرى، فإذا كان الحرف الأول من الصفة يسبق حرف الغين في ترتيبه الأبجدي وضعت الكلمة مع صفتها قبل «غير الصفة» والعكس. مثلًا «نسب شرعي» تأتي قبل «نسب غير شرعي» لأسبقية الشين على الغين، لكن «حائل غير مستقر» تأتي قبل «حائل مستقر» لأسبقية الغين على الميم.

6. لكون المداخل مرتبة ألفبائيًا فإن التنظيم المتبع في الفقرة السابقة يسمح بتوسط مدخل مركب ما بين المدخل المتبوع بصفة وبغيرها، فمثلًا «نفقة غير لازمة» تسبق «نفقة لازمة»، بسبب كون الغين قبل اللام، لكن «نفقة كفاف» تأتي قبل «نفقة لازمة» لكون الكاف تسبق اللام في الترتيب الأبجدي للحروف، فتصبح المداخل الثلاثة المذكورة على الترتيب التالي «نفقة غير لازمة»، ثم «نفقة كفاف»، ثم «نفقة لازمة»، وهكذا.

7. الألفاظ والمصطلحات المركبة تتبع أحد الترتيبين: إن كانت الكلمة الأولى كلمة مدخلية ذات معنى فالمدخل المركب يوجد تحت الكلمة الأولى، مثلًا «أهل البغي» توجد تحت كلمة «أهل»، وهكذا. أما إذا كان المدخل المركب هو عبارة تبدأ بكلمة غير معجمية كأن تكون حرف نفي مثل «لا» أو «غير»، كعبارة «لا يخلو من وجه» فتوجد تحت كلمة «وجه» في باب الواو والكلمات التي قبلها وضعت في قوسين وخط صغير للدلالة على المدخل الرئيسي «وجه».

8. أما الحالات «انظر: كذا» فقد وضعت الكلمات التي بين قوسين بعد كلمة «انظر» بدون «أل» التعريف باستثناء الكلمات التي أضيف إليها الاسم، مثلًا «انظر: معصوم»، و«انظر: مقدمة وجوب»، و«انظر: معصوم الدم».

9. المعنى اللغوي سابق على المعنى الاصطلاحي «الفقهي أو الشرعي»، دون ذكر كلمة «لغة» أو «في اللغة». واعتمد هذه الأسبقية لربط المعنَيَين ببعض، ولتوضيح المعنى الفقهي، كما أن كثيرًا من المداخل تستخدم بمعناها اللغوي، أو أحد معانيها اللغوية.

10. بعض المداخل «الألفاظ» ليست مصطلحات فقهية، أو ليست مصطلحات فقهية مختصة بالفقه الجعفري، لكن لوجودها في الرسائل العملية أو الكتب الفقهية أدرجها المؤلف الدكتور لتعميم الفائدة من هذا المعجم حيث هو معجم ألفاظ وليست معجم مصطلحات فقط.

وجهة نظر الراحل العلامة الدكتور عبد الهادي الفضلي في الكتاب

إن هذا المعجم يقوم بدور حل مشكلة لغة الرسالة العملية الذي يعتبر مطلبًا أساسيًا يفتقر إليه الوسط الثقافي بسبب تطور وسائل وأساليب البحث العلمي والدرس الأكاديمي المعاصرين، وذلك ليكون لفقهنا الحضور العلمي المعاصر، وقد لمس العلامة الراحل الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي الحاجة الماسة لمثل هذا المعجم وهو يزور أكثر من جامعة في بريطانيا لتوثيق العلاقات الثقافية بينه وبين «الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية» حيث رأى أقسام ودوائرالدراسات الشرقية والإسلامية تدعو لتأليف مثل هذا المعجم، وقد كان من قبل هذا يرى الحاجة ملحة لوضع معجم ألفاظ الفقه الجعفري عندما قام بتحقيق كتاب «هداية الناسكين من الحجاج والمعتمرين» للشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر، والتعليق عليه، وصرح بمقدمته له بذلك، ورجا أن تحقق هذه الأمنية، وعندما وقعت عيناه على هذا المعجم سُرر جدًا لتحقيق الأمنية، ذلك أن هذا المعجم تميز وامتاز بالتزام مؤلفه تدوينه وفق أحدث وأهم التقنيات في كتابة المعجم، وكذلك برجوعه إلى مختلف المصادر العلمية التي ينبغي الرجوع إليها لوضع مثل هذا المعجم من معاجم لغوية منفردة ومزدوجة، وموسوعات ثقافية عامة، ومدونات فقهية خاصة، ذكر كثيرًا منها في قائمة مراجعه، بالإضافة إلى تطوافه لعدة سنوات في رحاب رسائل عملية شتى ومتون فقهية مختلفة ومتعددة.

وقد ساعد على هذا تخصصه العلمي النادر في حقل علم اللغة التطبيقي الذي يكوّن عند مَنْ يتخصص به نتيجة المقارنة والموازنة بين لغتين أو أكثر، الذهنية العلمية المبدعة والناقدة.

وأخيرًا، إن هذا المعجم قد ملأ فراغًا طالما تشوَّق المثقفون لملئه، وخفف عن الباحثين عبء الرجوع إلى مصادر عديدة لمعرفة معنى مصطلح فقهي أو مدلول لفظ علمي وردا في رسالة فقهية، ويسّر أمام المتعاملين مع الرسائل العملية من المقلدين طريقة الاقتباس منها، والأخذ عنها.

كاتب سعودي