آخر تحديث: 26 / 10 / 2020م - 10:40 ص

كورونا وتاج العزلة

ياسين آل خليل

سنين طويلة وأنت تشتكي من عدم وفرة الوقت لديك، للتخطيط للكثير من مهامك ومتابعتها، مع العلم أن جميع البشرية أعطيت نفس عدد الساعات في اليوم الواحد. من يعيش في أقصى الغرب لديه أربع وعشرون ساعة في اليوم، وكذلك الفرد الذي يعيش في أقصى الشرق. للأسف الكثير منا يضعون أنفسهم في خانة الجاهل بالعلم، ويُصرّون على البقاء في أماكنهم دون القيام بأي إجراء يُذكر. نحن ربما تعودنا أن لا نتعلم الدروس إلا من التجارب الصعبة، هذا إن لم تفتنا هي الأخرى بعد أن آثرنا أن نتَنَكر لبعض المحن، إلى الحد الذي تكاد فيه هذه الجائحة أن تُلحق بنا من الضرر ما هو أعظم، لا سمح الله.

فيروس كورونا أتى كالصاعقة على الناس، فقلب مَوازينهم، وأفقدهُم بوصَلتهم، فصاروا كما السفينة التي تاهت في عُباب البحر تتقاذفها الأمواج وليس لدى بحارتها ما يُمكنهم فعله سوى التضَرُع إلى الله أن يُخرجهم من عين العاصفة ويُمَكّنهم من أخذ السفينة إلى بَرّ الأمان. لا أحد يحيط بمعرفة الآثار التي يمكن أن يُخلفها هذا الوباء على المُجتمعات في شتى بقاع الأرض، أو كيفية التعامل الأمر بحكمة لتخفيف الآثار الجانبية لهذه الجائحة، والتي قد تستمر لسنوات طويلة بعد أن يتحقق النصر المُبين عليها عاجلا غير آجل.

لا شك أن العالم بأسره لم يَعُد مكانًا آمنًا للعيش. بات الخوف وعدم اليقين يحكمان الموقف. خيار العُزلة، بات هو بريق الأمل الأوحد والخيار الأمثل للوصول إلى نهاية النفق. لا تعطي لأحد الفرصة بأن يُصَور لك بأن بقاءك في منزلك هو بمثابة العيش خلف القضبان. في هذه الأوقات الحرجة والصعبة، بات منزلك هو الملاذ الآمن دون منازع، بل هو الأكثر أمانا واطمئنانا من أي بقعة تخطر في ذهنك. إدارة عواطفك بمفردك ودون أن يتدخل فيها أحد، إلا من أهل الدراية، ربما يكون هو عين العقل وكماله. ذكّر نفسك وبصوت عالٍ بمنتهى ما تحويه من قوة وإيمان، وأنك قد مررت بأوقات صعبة أخرى وتمكنت من تَخَطيها بسلام، وأن الموقف الحالي ليس بأسوأ مما مضى، وأنها أزمة عابرة ستنتهي لا محالة إلى خير، بحول الله تعالى وقوته.

لا تجزعن إذا نابتك نائبة..

واصْبر ففي الصبر عند الضيق متّسع..

إن الكريم إذا نابته نائبة..

لم يبد منع على علاته الهلع

إمام المتقين علي بن أبي طالب

إذا ما كانت لديك الإرادة الصلبة، واستغليت هذه الفترة التي تمتلك فيها الكثير من الحرية والوقت لعَدم تقيدك بالكثير من الإلتزامات والقيود المتصلة بالعمل والأصدقاء، فإنه بإمكانك تغيير الكثير من عاداتك ونمط حياتك، وفي جوانب عدة، ربما أهملتها لسنين.

القنوات الفضائيه حول العالم، في مُجملها، تبث العناوين نفسها مرارًا وتكرارا. أنت لست مُجبرًا على التسمّر أمام شاشة التلفاز ساعات طويلة، تحرق فيها أعصابك وتزيد من نسب التوتر لديك. المعلومات التي تستقبلها من التلفاز، أو تقرأها من خلال ما يصلك من رسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي المتنوعة، هي أخبار على الأرجح غير سارة تتحدث عن أعداد الموتى المتزايدة والمصابين الذين باتت أعدادهم تتضاعف يومًا بعد يوم. بدلًا من إرهاق نفسك ذهنيا ونفسيا، حافظ على حياتك وحياة أفراد أسرتك من خلال التقيد بالأوامر الصادرة من الجهات الرسمية المختصة، والإلتزام بالحجر المنزلي والابتعاد عن أماكن التجمعات في جميع الأوقات.

من المفيد في هذه المرحلة الحرجة من تفشي وباء الكورونا وما تبعه من إجراءات احترازية في مقدمتها الحجر المنزلي، أن نتعلم شيئا من مهارات شكر الخالق على ما وهبنا من نعمة الأمن والأمان، ولو أجبرنا على البقاء في منازلنا كارهين. من المؤمّل أيضا أن لا نختبئ وراء أصابعنا ونغفل عن حقيقة أننا نعيش البحبوحة بكل معانيها، عندما نقارن أنفسنا مع مئات الآلاف من البشر حول العالم، الذين أجبرتهم الظروف الحالية أن يستسلموا للمرض، وهم حاليا يقبعون في المستشفيات، يُقارعون الموت من أجل البقاء. في خضم هذه الرياح العاتية وجبال من المعاناة، هل يمكننا القول أن ”العزلة تاجٌ على رُؤوس الأصحّاء لا يراه إلا المرضى“..؟ دمتم سالمين