آخر تحديث: 3 / 3 / 2021م - 1:14 ص

«فارس ونجود».. صراع الحب والحرب

سلمان محمد العيد

لعل من أشهر المسلسلات العربية التي قدمت باللهجة البدوية هو مسلسل «فارس ونجود»، وربما كان أول مسلسل بدوي تنتجه الدراما العربية، بحكم أن كل مغامرة درامية يتم تجربتها في لبنان قبل أن يتم تعميمها في الوطن العربي الكبير، بدليل أن اللبنانيين أول من انتج أعمالا درامية باللغة الفصحى، وهم ــ كما أظن ـ أول من انتزع الحياء وعرض المشاهد الجنسية الساخنة، وبعدها جاء الآخرون وواصلوا المسيرة وبالغوا فيها، كل ذلك إلى جاءت الحرب الاهلية في لبنان وأوقفت كل شيء.

إن مسلسل «فارس ونجود» ــ الذي عرض في السبعينات الميلادية ـ قد ارتبط بالذاكرة المحلية، لسببين ـ من وجهة نظري ـ يتمثل السبب الأول أن عرضه جاء في وقت لم تكن أجهزة التلفاز متوافرة في معظم المنازل، فهناك من شاهده في أحد المقاهي، أو في النادي، أو في أحد بيوت الجيران ممن هم أفضل حالا من الناحية المادية، وممن ولديهم هذا الجهاز العجيب، فكانت مشاهدة المسلسل اشبه بمناسبة اجتماعية، مثل المولد أو الزواج، أو الرحلة، فما أن ينتهي عن ينفض الجمع، ليتاح المجال للحديث عن المسلسل وأحداثه..

اما السبب الثاني فهو وجود سميرة توفيق في هذا المسلسل فهي ذات طلة بهية جاذبة للكبار قبل الصغار، فقد مر وقت على مجتمعنا ما أن يعلن عن موعد أغنية لهذه المطربة «اللبنانية، التي تغني باللون البدوي» حتى يتسمّر الجميع لمشاهدة هذا القوام، والتمعن في ملامحه، فإذا كانت اغنية لسميرة كفيلة بأن تجلب الناس، وتجمعهم في أي مكان ما، فما بالك وهي تظهر كل يوم على وعلى مدار اسبوعين، تغنّي وتتحدث وتضحك وتبكي.. لذلك بات هذا المسلسل جزءا من الذاكرة لدى العديد من أبناء المجتمع، والكثير يحمل ذكريات عن هذا المسلسل، حتى لو لم يشاهده بالكامل، فالبعض ــ مثلي ـ شاهد المسلسل على فترات متباعدة، والكل يتذكره لا بذاته، بل بما يدور حوله، فهذا المسلسل غريب عجيب، في توقيته، وفي قصته، وفي كل شيء، فهو لبناني بالكامل، لكنه تحدث بلهجة شعبية، الكل يعتقد أنها لهجته، أو هي قريبة من لهجته.


قصة هذا المسلسل باختصار تتحدث عن قبيلتين متصارعتين، هما «قبيلة الشيخ متعب، وقبيلة الشيخ طراد»، وكانت الأولى تملك فارسا مغوارا يحب الفروسية، يميل الى المغامرة، شجاعا لا يخشى المصاعب.. والثانية تملك بنتا ساحرة فاقت شهرتها كل القبائل، شاعرة وذات قدرة على الغناء، وهي مقصد الكل، والكل يريد أن يتشرف بالزواج منها..

اما الفارس المغوار فهو «فارس ولد متعب»، والبنت الساحرة «نجود بنت طراد»، شاءت الأقدار أن يدخل حب هذه الفاتنة قلب ذلك الفارس، وذلك بعد أن دعت عليه إمرأة عجوز من قبيلته تدعى «ام عفين» بأن «يبليه الله ببلاء لا دواء له، وأن يبليه بحب نجود بنت طراد»، وهذا الدعاء جاء لأنها تعتقد أن «ولد متعب» كان سببا في وفاة ولدها الوحيد، إذ طلب منه ان يثبت رجولته بالصعود الى الجبل والنزول منه بالخيل ففعل فكان في ذلك حتفه، ومن هذا الدعاء علق إسم «نجود بنت طراد» في ذهن وقلب «فارس»، فسأل عنها فقرر أن تكون هذه البنت زوجة له، ومن أجل ذلك أصرّ بأن يذهب لخطبتها من والدها، فواجه عدة عقبات:

العقبة الأولى: إنه ما زال يحمل تاريخا طويلا من الدم جرّاء الحرب بين قبيلته وقبيلة الشيخ طراد «والد نجود»، فاضطر لأن يذهب لهم متنكرا في زي رجل فقير، وأطلق على نفسه إسم ضحيته ـ أو ضحية امتحانه ـ وهو «عفين»، ولم يفته ان يأخذ من تاجر الملابس المتجول «القبيسي شدهان» ملابس بالية وحمارا بالكاد يخطو الخطوة، وبهذه الطريقة استطاع دخول القبيلة ويحل ضيفا على الشيخ طراد، ويعمل حطّابا لدى الشيخ، ويرى عن قرب تلك البنت التي تحدث الناس عنها وهي «نجود» ويتحدث معها.

العقبة الثانية: إن الشيخ طراد «والد نجود» قد وضع شروطا شبه تعجيزية أمام كل من يرغب في الزواج من «نجود»، فالمهر هو جلب نبتة «زهر العيون»، لعلاج عين أم نجود، حسب وصفة الطبيب حسين، ومشكلة هذه النبتة أنها موجودة في وادي يستطيع أحد الوصول إليه ويخرج منه حيا، لذلك أطلقوا عليه «وادي المنايا»، بالتالي فإن على «فارس» أن يواجه الأخطار ويذهب الى ذلك الوادي، إن أراد الارتباط الشرعي بــ«نجود».

العقبة الثالثة: إن هناك منافسة حادة من أكثر من طرف، للوصول الى قلب «نجود»، فالبعض جاءها شاعرا، وآخر تاجرا، عدا أن اكبر منافسيه في هذا السبيل هو أحد أبناء القبيلة ويدعى «شدّاد» وهو شخص ثري، يصرّح بحبه وعشقه وهيامه بــ «نجود»، فيرى أن «نجود» دائرة لا يسمح لأي أحد القرب منها، ولذلك حينما رأى ميلها صوب عفين «أو فارس ولد متعب» قام بأكثر من محاولة لاغتياله ولم ينجح.

لقد كان الصراع بين «فارس» و«شدّاد» شخصيا «فردا لفرد» في البداية، فجاءه يريد قتله والتخلص منه، فلم ينجح، حتى أنه سخر منه سخرية قاتلة حينما قال له: «سيفك من خشب يا شدّاد»، تطوّر هذا الصراع إلى دائرة أوسع، إذ حاك «شداد» مؤامرة مع «سطوف الراعي»، وابن عمه قاطع الطرق «غضبان»، لاغتيال فارس والاعتداء على حلال القبيلة، وبعدها الإيحاء للكل بأن شدادا هو الذي استرد الحلال ليظهر امام القبيلة بصورة الفارس البطل، واستغل فرصة سفر الشيخ طراد، الذي أعطى الراية لإبنته «نجود»، وطلب منها أن إذا حدث شيء للقبيلة أن تعطي الراية لمن ترى فيه الشجاعة والقدرة.. أما عملية الاغتيال فلم يتمكن «شدّاد» ولا عصابة «غضبان» من ذلك إذ تمكن منهم «فارس»، واستطاع ان يقتل ثلاثة منهم، امام مرأى «نجود» وخادمها «جوهر» ومن ذلك تأكدت لديها «فروسية» هذا الفقير وشجاعته، وحتى أنها سألته عن الدم الذي في ثوبه، فقال لها بأنه دم حيوان رآه يتلوى فذبحه وأراحه.. وأما سرقة حلال القبيلة فقد تمكنت العصابة من سرقته بالكامل، واتهموا طرفا من الخارج قام بذلك، وتحدّثوا عن عملية غزو «وهمية» من قبل «فارس ولد متعب»، فجاء «شدّاد» طالبا الراية من «نجود» كي يسترد الحلال، فلم توافق وأعطت الراية الى غريمه «عفين» «الإسم الحركي لفارس ولد متعب»، الذي أخذ الراية بعد تردد وممانعة، واستطاع أن يقتل جماعة «غضبان»، ويسلبهم سيوفهم وبعض ملابسهم ويضعها تحت صخرة لا يستطع أحد أن يزحزحها غيره، وعاد الى «نجود» وهو يتكلف الكذب والفشل، وهنا طل «القبيسي شدهان» الذي أبان الحقيقة عند «نجود»، فهو في مجال عرضه لبضاعته، وسرده للأخبار التي رآها خلال تسكعه بين القبائل فكشف لــ «نجود» شيئا من هوية «فارس ولد متعب»، فهو الذي استبدل منه الخيل الحمار، وهو الذي قاوم العصابة وقتل بعضا منهم، وسلب ملابسهم، وثبت لدى «نجود» أن الذي أرجع الحلال هو «فارس» وليس «شدّادا».. وبذلك فشلت عملية «شدّاد» في الوصول الى قلب «نجود»، إذ ثبت زيفه لديها، وظهر لها أنه ضعيف وجبان وكاذب أيضا.

وحينما عاد الشيخ طراد من سفره، قام «شدّاد» بخطوة أخرى في حربه لتصفية «فارس ولد متعب» فقام بتشويه سمعة «نجود» أمام والدها، على أن لديها علاقة غير شرعية مع فارس «أو عفين»، فغضب الوالد وجاء يريد أن يفتك بهما معا، وما أن تمت تهدئته حتى جاء صوب فارس المسمى بـ «عفين» طالبا منه التعريف بنفسه، فوافق على أن يتم ذلك أمام كافة أفراد القبيلة، وبعد أن يتم الاطلاع على غنائم المعركة التي وضعها تحت الصخرة، فتم ذلك، وتبين للجميع أن هذا الفقير شخص فارس قوي، فألح الشيخ طراد على التعرف على شخصه، فطلب فارس منه الأمان، وما أن تم ذلك حتى أعلن أنه «فارس ولد متعب»، وأنه جاء لخطبة نجود بنت الشيخ، ويريد الإصلاح بين القبيلتين، فوضع الشيخ طراد جملة من شروط الصلح وافق «فارس» عليها ونقلها إلى والده، الذي رحّب هو بدوره بذلك.

وبعد أن وقف «فارس» على شروط الزواج من «نجود» شد راحلته للسفر إلى وادي المنايا، وواجه الأخطار والصعوبات، واستطاع أن يصل الى الوادي ويقطف نبتة «زهر العيون»، ويخرج من الوادي سالما، وقفل راجعا الى مقر القبيلة، لكنه لم ينج من عبث ومؤامرات «شدّاد» و«سطوف» و«غضبان» إذ قطعوا عليه طريقه بوادي الثعالب، وبعد معركة حامية استطاع «فارس» أن يقتل منهم أربعة تمكّن أحدهم من طعنه بالسيف في ظهره، فوقع جريحا، وهربوا عنه، ظانّين بأنه قد مات، ولكن تم إنقاذه ومعالجته من قبل الحكيم حسين، وأصدر الشيخ طراد قرارا بطرد «شدّاد» وهدر دمه، وتمت عملية الصلح، وتم الزواج بين «فارس» و«نجود». فيكون بذلك قد انتصر على كل غرمائه، ولم تجد كل المؤامرات لاغتياله، أو لمنع زواجه من «نجود».

وبعد كل هذه الأحداث، لم تنته مشاكل «فارس» بسبب حب «نجود»، ولم يتوقف «شداد» في حربه، فلجأ الى المؤامرة، بالتعاون هذه المرة مع «القبيسي شدهان» الذي هو بمثابة المذياع، ينقل الأخبار بين القبائل، وكل همّه جمع المال، فقام بدوره ـ بالاتفاق مع شدّاد ـ في تلويث سمعة «نجود» عند زوجها «فارس»، وقال له بأنها لا تحبه، وإنما تحب إبن عمها «سطام»، وهي تريد الطلاق.. وكانت خيوط المؤامرة متكاملة، ومتداخلة، ومجتمعة أيضا، فمن جهة «نجود» كانت تتمنع من العلاقة الخاصة مع زوجها، بموجب تعليمات الحكيم أو الطبيب «حسين»، ومن جهة ثانية هناك من يتحدث عن حبّها لإبن عمّها «سطام»، فهذه تؤكد تلك، وقام «شدهان» بنفسه بتقديم الأدلة على ذلك، بأن اهتبل فرصة نوم الجميع، فنقل شماغ وعقال وثوب سطام ووضعها في مخدع «نجود»، وقام بذلك متقمصا شخصية «سطام»، تحت رقابة «فارس»، الذي استبد به الغضب، وقام بطلاق «نجود» على الفور وإعادتها إلى أهلها حزينة كئيبة لتقابل في الطريق غريمها وصاحب كل تلك الدسائس «شدّاد» وقد ألمت به علة أفقدته سطوته وقدرته، فصار يتقيأ الدم، فعرف «شدّاد» أن القبيسي شدهان قد نجح في مؤامرته، وأنه سوف يأتي ليأخذ الجائزة مقابل ذلك، وبالفعل تم ذلك، فجلس أمام شداد طالبا الجائزة فطلب منه أن يذهب لإحضار الحكيم حسين لعلاجه، ففعل ذلك، وجاء الحكيم ليقف على صحة «شداد»، ويسمع منه ما كان يريد سماعه، من براءة «نجود»، وعن المؤامرة حاكها مع «القبيسي شدهان»، فطلب «شدّاد» من الحكيم أن يذهب الى «فارس» ويحضره هنا، كي يعتذر منه، وينتقم من الوصولي «شدهان»، فامتثل الحكيم وغادرهما باتجاه مضارب قبيلة متعب، وحينها تعارك الإثنان «شدهان، وشدّاد» وانتهى الأمر بوفاة «شدهان» ببارودة كانت بيد «شدّاد» المريض، وفي ذلك الوقت وصل الحكيم ليلتقي «فارسا» ويخبره بحقيقة المؤامرة، وقصة مرضه، حيث أن الجرح لم يندمل، مما يجعله غير مؤهل للمعاشرة الزوجية، حينها هبّ «فارس» وعاد الى قبيلة الشيخ طراد ومرّ على المريض «شداد» الذي طلب مه السماح والعفو، وطلب منه أن يأخذ العذر والسماح أيضا من «نجود» ومن الشيخ طراد، واخبره بأن «القبيسي شدهان» الذي قتله هو الذي حاك كل شيء.. بعدها عادت المياه الى مجاريها وتصالحت القبيلتان وتزوج مرة أخرى من «نجود».


تلك هي قصة «فارس ونجود»، التي لو توقفنا مليا عندها نخرج بالنتائج التالية:

أولا: إن الحب هو الوسيلة الأنجح لحل العديد من المشكلات، وهو الطريقة الأسلم لتجاوز المعضلات على الصعيد السياسي والاجتماعي، فالحب الذي يؤدي الى مصاهرة وزواج وقرابة ونسب هو الذي أنهى سنوات من الإقتتال بين القبيلتين، فاشتعال حب «نجود» في قلب «فارس» أدى الى انقلاب المعادلة من حرب ودمار الى ألفة ومحبة وزواج.

ثانيا: إن الحب قيمة تستحق التضحية، فـ «فارس ولد متعب» خاض الأهوال من أجل حبه، و«نجود» تحمّلت مرض زوجها وعدم قدرته الجنسية، لكنها تزوجته من أجل الحب.. كما أنها ومن الأصل وافقت مع والدها على شرط توفير «زهر العيون» كدواء لوالدتها، مضحية بحاجاتها الذاتية في الزواج والإنجاب، من أجل والدتها.. فكل من «فارس ونجود» قدما تضحية من أجل الحب.

ثالثا: إن منطق العقل هو الذي يرجح الحب على الحرب، لذلك وجدنا الشيخ طراد حكّم عقله في أكثر من موقف، ولم يقم بعملية انتقام من فارس بل استجاب لمطلب الصلح، ولم يضع شروطا معقّدة، فأحد شروطه أن يتم دفع دية كل من قتل من القبلتين، أي انه لم يبعد نفسه وقبيلته عن المسؤولية في الصراع، بل تحمّل ذلك واستجاب لمنطق العقل.

رابعا: إن في كل مجتمعات الدنيا، هناك عينات مثل «شداد» الذي يتشدق بحبه لــ «نجود»، لكنه لا يتورع بأن يتآمر عليها ويشوه سمعتها، ويتحالف مع المجرمين وقطاع الطرق من اجل إزاحة المنافسين.. وهناك أيضا عينات مثل «عفين» المسالم المسكين، الذي لاقى حتفه تحت أوهام تحقيق الرجولة والفروسية، بينما كان يمكن اثبات رجولته من خلال عمل آخر غير ركوب الأهوال.. وكذلك عينات «شدهان» الوصولي الذي يبيع الزيف والكذب من أجل المال، ويحدث ان يتحالف صاحب المال «شدّاد»، مع المجرم المحترف «غضبان»، مع الضعيف امام المال «سطوف الراعي»، مع المذياع الوصولي والانتهازي «شدهان»، ضد قيم الحق والحرية والحب المتمثلة في «فارس ونجود»، وكذلك الوحدة بين القبيلتين.

خامسا: حينما يتلقى الحقد الذي لدى «ام عفين» مع الانتهازية التي لدى «القبيسي شدهان»، وعقلية الامتلاك والاستبداد كالتي لدى «شداد» تكون النتيجة فشل مشروع للصلح والوحدة كالتي أراده «فارس ونجود»، فلك أن تتصور كم تحملا من صعوبات ومشاكل من أجل حبهما، ووحدة قبيلتيهما.

سادسا: أراد المسلسل أن يقول بأن الأعمال الخيرة في الحياة، لابد وأن تتعرض للمؤامرات، فلا بد من الحذر أولا، ولا تحتاج إلى مواجهة شعر وجمال وغناء «نجود» فقط، بل تحتاج الى فروسية وشجاعة «فارس ولد متعب».. فما أجمل أن يجتمع الفن والقوة.

تلك مجموعة مضامين أوردها مسلسل «فارس ونجود»، الذي ترك بصمة في تاريخ المسلسلات البدوية التي شهدت طفرة بعده، ولعبت عوامل عديدة في ذلك ابرزها تراجع الدراما اللبنانية بسبب الحرب الأهلية، فانتفضت الدراما الأردنية وراحت تقدم لنا مسلسلات بدوية مشابهة لهذا المسلسل مثل وضحا وبن عجلان، وصقور الصحراء، وراس غليص، والسيف، ومتعب الشقاوي، والكنز، والغدير.... ألخ