آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 9:21 م

انفتح على الحياة‎

ياسين آل خليل

هل أنت ذلك الشخص الذي يخطط لكل شيئ يتعلق بالمستقبل ويعتقد يقينًا أن حياته لم تبدأ بعد، حتى يسعد بلحظاتها وينعم بخيراتها؟ هل أنت ذلك الشخص الذي يؤجل الكثير من الضروريات الى الوقت الذي يكون فيه غير ملتزما بعمل، ويكون فيه الأبناء قد كبروا ولا يحتاجون الى الكثير من الرعاية، لأن أغلبهم يفترض أنهم أنهوا دراستهم وشقوا طريقهم في الحياة؟ فقط في ذلك الوقت يمكنك تنفيذ خططك من بناء المنزل الذي طالما حلمت في بنائه، والاستمتاع بفنجان قهوتك الصباحية في الزاوية التي قمت بتصميمها في حديقة منزلك كمكان للراحة، بعيدا عن صخب الحياة، ودون أن يعكر أحد مزاجك، أو يقطع سلسلة أفكارك. الآن فقط يمكنك أن تلف العالم دون عوائق مادية أو التزامات تفسد عليك رحلتك، أليس كذلك؟

لقد قضيت معظم أيام حياتك في التخطيط للقادم من الأيام، وكأن المستقبل عندما يصل سيأتيك بعُمْر جديد منفصل عن سنين العمل والكد، التي كانت جزءًا من واقعك الحياتي. ها أنت الآن بعد أن قضيت شبابك في التحضير، قد وصلت إلى المستقبل، فكيف هو حالك؟ هل تشعر بأنك على استعداد لمواجهته، أو أنك تشعر بأنك شخصا آخر بمواصفات مختلفة تمامًا، لا تتواءم والمعطيات الحياتية للمكان والزمان الذي تتواجد فيه..؟

ألم تكن هذه هي الطريقة التي نشأنا عليها! ألم يكن هذا هو نفس السيناريو الذي كنا نمر به كل صباح، نفس التحضيرات التي نقوم بها من لحظة استيقاظنا إلى أن نرتدي ملابسنا لمواجهة يومنا الذي نحن فيه. هل كانت تلك التحضيرات في مكانها وهل أهلّتنا أن نعيش كل لحظة من ساعات يومنا كما ينبغي؟ أو أنه كان الأولى أن تكون هناك من ترتيبات أخرى تتعلق بحيثيات كل يوم على حدة والكيفية المثالية لمواجهتها والتصدي لها.

لا التحضيرات ولا الخطط التي اعددناها وقضينا أياما وليال في ضبط إيقاعها تتوافق ومعطيات مستقبل، اكتشفنا لاحقًا أننا لم نعد مستعدين له عندما وصلنا إليه. إذا كنت من النوع الذي يتقبل النصيحة، لا تجعل هوس التخطيط يأخذك إلى المجهول. لا بأس في أن تخطط لمعرفة وجهتك وما الذي تريده من حياتك، لكن عليك أيضًا أن تحتسب اللحظة الراهنة وأن تعيشها بكل تفاصيلها لأنها كل ما تملك.

وما الحياة سوى حلمٌ ألمّ بنا
قد مر كالحلم ساعات وأيام
هل عشت حقًا يكاد الشك يغلبني
أم كان ما عشته أضغاث أحلام
في مثل غمضة عين وانتباهتها
قد أصبح الطفل شيخًا أبيض الهام
لولا يقيني بربي لا شريك له
لما حسبت حياتي غير أوهام

*عصام العطار

أنا وأنت والآخرون من حولنا، علينا أن نفهم ونستوعب أن قيمة الواحد منا تتعدى مجموع ممتلكاتنا المادية مجتمعة. مهما بلغت ثروتك المالية وممتلكاتك العقارية وما تحويه خزينتك من أصول ومقتنيات. سَيَأتي عليك اليوم الذي تغادر فيه هذه الدنيا صفر اليدين، كما قدمت لها أول مرة. عندها فقط ستعرف قيمتك وأن كل ما كنت تركض وراءه لم يكن سوى أطلال من الوَهْم الممزوجة بالريبة والشك. بربك ألا يدعوك هذا أن تسعى جاهدا للعيش بتواضع بعيدا عن العنجهية البغيضة.

مارس أحلام اليقظة وانفتح وركز على العمل الذي أنت بصدد القيام به، لكن لا تنسى أيضا أن تستمتع باللحظة الآنية، عشها بشغف المُحب للحياة، لأنها قد تكون آخرَ لحظة لك. مجموع اللحظات التي تحياها، بغض النظر عن الكيفية والمكان، هي المُكَوّن الكلي لحياتك. اعمل ما بدا لك، فَقَناعَتك بأنك تعيش حياتك بمنتهى السعادة، يغنيك عن التشبث بالقادم من الأيام وما يمكن أن تحمله لك من وعود كاذبة. عش حياتك بمنأى عما يحاول الآخرون أن يوهموك به من مستقبل محفوف بالورود، فلكل منا نمط حياة مختلف عن بقية الناس. ما يهم هو أن تكون في قناعة تامة ورضا عما تفعله كَمًا ونوعا.

في ظل الظروف العصيبة والعاصفة التي تمر بنا، لا تزال الغيرة هي المسيطرة، حيث أن صحة الناس العقلية هي أكثر هشاشة من أي وقت مضى. كيف لا، وهم يقضون المزيد من الوقت يقارنون أنفسهم بالآخرين، علمًا بأنه لا يوجد هناك من رابط قوي يجمعهم لا في المكان ولا الزمان.

تبقى حاجتنا إلى تحسين أفكارنا أو تجديدها، والتخلي عن تلك التي لا تخدمنا، حاجة ماسة وقائمة. هذا إذا توفرت النية الصادقة في أن نصل إلى أهدافنا وننفتح على الحياة بروح نقية لا تشوبها شائبة ولا تعرف التراخي ولا التباطؤ أو السكون والاستسلام.