آخر تحديث: 27 / 5 / 2020م - 4:48 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«في مدح الكسل»!

ميرزا الخويلدي * صحيفة الشرق الأوسط

«لقد درجتُ، شأني في ذلك شأن معظم الجيل الذي أنتمي إليه على المثل القائل: بأن «اليدّ البطالة نجسة»، ولمّا كنتُ طفلاً يتحلى بأسمى الفضائل، كنتُ أصدق كل ما كان يُقال لي... واكتسبتُ ضميراً ما زال يدفعني إلى العمل الشاق حتى اللحظة الراهنة... ولكن بالرغم من أن ضميري ما زال يسيطر على «أفعالي»، إلا أن «آرائي» قد اجتاحتها ثورة... فأنا أعتقد أن العمل الذي ينجز في العالم يزيدُ عمّا ينبغي إنجازه بكثير، وأن ثّمة ضرراً جسيماً ينجم عن الإيمان بفضيلة العمل...».

بهذه الكلمات، بدأ الفيلسوف البريطاني برتراند راسل كتابه المثير «في مدح الكسل»، الذي يؤكد الحاجة إلى الكفّ عن إرهاق الناس في أعمال مضنية تحولهم إلى آلات إنتاج، والاعتماد أكثر على تحفيز قدراتهم الذهنية والفكرية والإبداعية... فثمة فائض في العمل، وليس ثمة فائض في مستوى جودة الحياة.

يجادل راسل، أن الكسل كان في وقت من الأوقات «ضرورة»، لكي تنتعش الحضارة الإنسانية، حيث وفرّت للسادة رفاهية مكنتهم من التفرغ للعلم والفنّ والمنطق والفلسفة والعلوم العقلية، وتركت العناء للعبيد يكدحون لتحقيق تطلعات وأفكار السادة. لكن مع الثورة الصناعية وتطور الآلة، والتقدم التقني، تلاشت هذه الطبقيات القائمة على استعباد الإنسان للإنسان، وأصبح الجميع الحصول على متسع من الوقت للترفيه والتفكير والتأمل والإبداع الذهني، أو لمجرد الاسترخاء... وهو ضرورة قصوى لكي نضمن صفاءً ذهنياً ونفسياً محفزاً لتطوير الأداء، ولكي نرفع من جودة الحياة.

فكرة راسل، وإن بدت ترفاً في بعض البلدان، خصوصاً تلك التي يكدح العامل في نوبات عمل متواصلة ومضنية من أجل توفير الحدّ الأدنى من المعيشة، إلا أنها تثبت أن انغماس الناس في الأعمال الشاقة المتواصلة لم يؤدِ بالضرورة، لا إلى تحسين الاقتصاد، ولا إلى مستوى معيشي أفضل.

كتاب برتراند راسل «في مدح الكسل»، صدر في عام 1935، وفي ذلك الوقت لم تكن التكنولوجيا قد وصلت إلى ما هي عليه اليوم، حيث وفرت وسائل الاتصال وتقنيات الجيل الرابع منصات رقمية تدير عمليات واسعة من التجارة العالمية، ونحن على مشارف عصر الجيل الخامس الأكثر إبهاراً وتطوراً؛ وسائل الإنتاج هذه خلقت نظاماً أكثر مساواة بين العاملين، من حيث الجهد ومستوى الدخل أيضاً، وأصبح الجميع بحاجة إلى «الفراغ»، لكي يبدعوا أكثر، ويقرأوا، ويسافروا، ويحصلوا على إثراء معرفي، ويمنحوا عائلاتهم مزيداً من التفرغ والاستمتاع.

لا غرابة إذن أن تصبح الدول الأكثر تقدماً في مؤشر السعادة على المستوى العالمي، أكثرها تقليصاً لساعات العمل، وأكثر النظم التعليمية تقدماً تلك التي لا ترهق التلاميذ بعناء لا يطاق من الواجبات المنزلية.

يسرد راسل في هذا الكتاب، قصة المسافر في نابولي بإيطاليا، الذي رأى اثني عشر شحاذاً مستلقين في الشمس، فعرض أن يقدم ليرة لأكثرهم كسلاً، فهبّ أحد عشر رجلاً لتلقي الليرة، ولكنه نفحها للرجل الثاني عشر الذي بقي مستلقياً لا يتكلف عناء السعي لتلقي الجائزة.

لكنّ راسل، يمتدح الرجل الثاني عشر هذا قائلاً: «الكسل في البلاد التي لا تستمتع بشمس البحر الأبيض الساطعة أكثر مشقة، ولا بد من دعاية ضخمة لإرساء قواعده»..!